قتيل الحب

قتيل الحب

عُروة بن حزامٍ العذري

 

*  ولع عروة بن حِزَام العذريُّ ــ وكانت له حلاوة وجمال ــ بامرأة منَ العرب اسمُها «عَفراء بنت مالكٍ» وكانا قد نشئَا سوية منذ الصغر فتعلق بها علاقة الصبي فكان يألفها وتألفه، فزوَّجوهُ بها بشفاعةِ الحسينِ بن عليٍّ رضيَ اللهُ عنه، فأقامَ معها مدَّةً وكان يحبُّها، وكانت أُمُّه تبغضها وتقسمُ عليه أن يفارِقَها وهو يقول لها: أخافُ يا أُمِّي تلاف نفسي!

فلم ترض أُمُّه، فلمَّا كان يومُ حرٍّ شديدٍ وقفتْ أُمُّه حافيةً على الرَّمْل وأقسمت لا تزول أو يفارق عروةُ عفراء، ففارقَها رِفقًا بأُمِّه وبرًّا بها، فجعل يزدادُ بِه الوَجْدُ والحزنُ حتَّى ما قدرَ أن يأكلَ شيئًا منَ الطَّعام والشَّراب.

وهامَ عروة بن حزام بعفراء حتَّى أخذه الهذيان والقلق وجعل يلصق بطنه بحياض الماء من شدَّة الحب، فرآه مرَّة شيخٌ منهم فقال له: مَهْ يا ابن أخ! فوالله ما فعلَ منهما هذا أحدٌ إلَّا هلك! فقال: يا عم إنِّي لمكروب، وإني لأجدُ حرًّا على كبدي.

فعاودَ عُروةُ أهلَها أن يرجعوها فأبت أُمُّها عليه ذلك وكانت تحبُّ الثَّراء، فأقامَ أيَّامًا وحمل إلى مكَّة عليلًا معروقَ الوَجْه ناحِلَ اليدَيْن لم تبق إلَّا رسوم وجهه، وكانت عفراءُ قد أعطته يومًا خمارًا لها، وكان يغشي عليه ويخفق، وكان كلَّما أُغمي عليه ألقى عليه غلامُه ذلك الخمار فيفيق، فأتوا به عبد َالله بن عبَّاسٍ رضي اللهُ عنه فرآهُ ــ وكان جالسًا بفناءِ الكَعْبة ــ فوضعوهُ بين يدَيْه يستشفعون له ويستشفونَ فقالوا: استشف له يا ابن عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكشفَ عنه الخمار وقال: ما بِك؟

فأنشد عُروة:

بنا من جوى الأحزان والحب لوعة... تكاد لها نفس الشفيـق تـذوب

ولكــنّ ما أبقـى حشــاشـة ما تـرى... على ما ترى عود هناك صليب

فما نفعَه علاجٌ؛ إذ ليس للحُبِّ دواءٌ أو رقية سوى الاعتصام واللجوء إلى الله، فرجعوا به إلى دياره، فبقي أيام قليلة وحيدًا وساءت حاله، فقال عند موته:

فما تركـا مـن رقيـة يعلمانـها... ولا سـلـوة إلا بـها سقيـانــي

فقالا: شفاك الله والله مالَنـا... بما حملت منك الضلوع يدان

ثمَّ شهق شهقة خفيفة ثم مات، فمرَّ به ركبٌ فعرفوهُ فصاح بعضُهم لما مرَّ بمنزلِ عفراء:

ألا أيـها القصر المعقل أهلها... بحق نعينَا عُروة بن حِزام

فسمعته عفراء فأجابته:

ألَا أيها الركب المخبون ويحكم... بحق نعيتم عُروة بن حزام!

فأجابوها:

نعم، قد تركناهُ بأرض بعيدة... مقيمًا بـها في دكدك وأكام

فقالت لهم:

فإنْ كان حقًّا ما تقولون فاعلموا... بأن قد نعيتم بدْرَ كلِّ ظلام

فـلا لـقـي الفـتـيـان بـعـدك لـــذَّة... ولا رجعوا من غيبة بسلام

ولا وضـعت أُنثـى تـمـامًا بمثلـه... ولا فرحت من بعده بغلام

ولا لا بلـغتم حيـثُ وجـهـتم لـه... ونغصتم لذات كل طعــام

ثمَّ سألتهم: أين دفنوهُ؟ فأخبروها، فسارتْ إلى قبره، فلمَّا قربوا من موضع قبرِه قالت: إنِّي أُريد قضاء حاجة، فأنزلوها فانسلت إلى قبره فانكبتْ عليه تبكي، حتَّى بقيت تبكي على القبر ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب، فما راعهم بعدها إلَّا صوتها، فلمَّا سمعوها بادروا إليها، فإذا هي ممدودة اليدين على القبر قد خرجت نفسها، فدفنوها إلى جانبِه.

قال معاذ بنُ يحيى الصنعانيُّ: خرجتُ من مكَّة إلى صنعاء، فلمَّا كان بيننا وبين صنعاء خمس رأيتُ النَّاس ينزلون عن محاملهم ويركبون دوابهم! فقلت: أين تريدون؟ قالوا: نريد ننظر إلى قبر عفراء وعُروة.

قال معاذٌ: «فنزلتُ عن محملي وركبت حماري واتَّصلت بهم، فانتهيتُ إلى قبرين مُتلاصقين قد خرج من هذا القبر ساق شجرة لم أر مثلها ومِن هذا ساق كنفسِ الشَّجرة، حتَّى إذا صارَا على قامة التقيَا فكانَ النَّاسُ يقولون: تآلفَا في الحياة وفي الموت».

قال معاذٌ: وقد سألتُ أهلَ القرية عن هذه الشَّجرة فقالوا: لا يُعرف هذا الشَّجر ببلادنا.

كان موته في حدود سنة ثلاثين من الهجرة.

وبلغ الخبر مُعاوية رضي الله عنه فقال: «لو علمتُ بهذَين الشَّريفَين لجمعتُ بينهما».

قالَ عِكْرمة: مكثَ عبد الله بن عبَّاسٍ رضي الله عنه بعد هذه القصَّة أربعين يومًا لا يسأل الله بعد صلاتِه إلَّا المعافاة منَ العشقِ وكان يقول: «هذا قتيلُ الحبِّ».

ـــــــــــــــ

المصادر :

- «الزهرة» لمحمَّد بن داود الظاهري

- «تاريخ دمشق» لابن عساكر 


التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق