أبو نواس يشتري خروف العيد

خرج أبو نواس الشاعر  يوما يتمشى في ضواحي الكوفة قبيل عيد الأضحى، طلبا في شراء خروف ما، وإذا به يرى أعرابيا لا يعرفه يسوق ذودا من الغنم يتقدمها كبش أملح أقرن، فابتدره أبو نواس قائلاً:         

يا صاحب الذود اللواتي يسوقها....... بكم ذلك الكبش الذي قد تقدما

فلما سمع الأعرابي الذي قاله أبو نواس، رد عليه من نفس القافية والوزن قائلاً:

أبيعكه إن كنت تبغي شراءه ........ ولم تك مزاحا بعشرين درهما

ولك أن ترى هذه المفاوضة في البيع والشراء بالشعر،

فرد عليه أبو نواس قائلا:

أجبت هداك الله رجع جوابنا ........ فأحسن إلينا إن أردت تكرما

قال الأعرابي:

أحط عليك من العشرين خمسة ....... لأني أراك ضريفا فاخرجنها مسلما

بيد أن أبا نواس انصرف ولم يشتر شيئا، فلحق بعض الناس ممن شهدوا ذلك الموقف الأعرابي وقالوا له: أكنت تعلم مع من تتحدث، قال: لا والله، فقالوا : إنه أبو نواس،

فعزم الرجل فاقتنى كبشا مما عنده فأتى به أبا نواس فقال له: خذ هذا الكبش عني أهبه لك فاقبله مني وإلا تركت جميع أغنامي في الصحراء، فقبله منه فسار الرجل إلى حاله,

وقيل أن أبا نواس قد سأل عن الرجل فقالوا له : إنه رجل من باهلة ( وهي قبيلة من قبائل العرب وأفصحها لسانا )،

فأنشد له الشاعر أبو نواس يمدحه بأبيات قل نظيرها في الشعر :

وباهليا من الأعراب منتخب ...... جادت يداه بوافي القرن والذنب

فإن يكن باهليا عند نسبته ....... ففعله قرشي كامل الحســـــــب 

ويقال إنها من أفضل المفاصلات في البيع

نقص وأنعم به من نقص

- خلقها الله ناقصة عقل : كي تنسى الإساءة وكي تنسى النكران ، فنقصان عقل الأنثى يرفع من شأنها : فهل هناكَ رجل يسامح بنفس القدر الذي تسامح به الأنثى ؟ خلقها الله ناقصة عقل : كي تعيش ، ولا تموت حزنا وكمداً ، وإلا كيف كانت ستتحمل الطعنات وخيبات الأمل ؛ وكيف كانت مجرد كلمة حلوة ، لا تتعدى نطاق اللسان ، كفيلة بإعادة صفاءها بعد أن كدره الحزن،هي ناقصة عقل ،  لأن الله أبدلها بكمال العقل ، كمال الحنان ، ولأن الرحمة فوق العدل ، ولأن العدل من العقل ، بينما الرحمة من الحنان ،  أليس الله هو الحنَّان المنان ؟ لذلك فهي فوق الرجل ، ذاك هو نقصان عقلها ، وأنعِم به من نقص.

حكيمة أنثى

خطبة خالية من حرف الراء

 

قال "واصل بن عطاء" من خطبة له بدون حرف الراء تجنبا للثغته:

" الحمد لله القديم بلا غاية, والباقي بلا نهاية, الذي علا في دنوه, ودنا في علوه, فلا يحويه زمان, ولا يحيط به مكان, ولا يئوده حفظ ما خلق, ولم يخلقه على مثال سبق, بل أنشأه ابتداعاً, وعد له اصطناعاً, فأحسن كل شيء خلقه وتمم مشيئته, وأوضح حكمته, فدل على ألوهيته, فسبحانه لا معقب لحكمه, ولا دافع لقضائه, تواضع كل شيء لعظمته, وذل كل شيء لسلطانه, ووسع كل شيء فضله, لا يعزب عنه مثقال حبة وهو السميع العليم, وأشهد أن لا إله إلا وحده لا مثيل له, إلهاً تقدست أسماؤه وعظمت آلاؤه, علا عن صفات كل مخلوق, وتنزه عن شبه كل مصنوع, فلا تبلغه الأوهام, ولا تحيط به العقول ولا الأفهام, يُعصى فيحلم, ويدعى فيسمع, ويقبل التوبة عن عباده, ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون. وأشهد شهادة حق, وقول صدق, بإخلاص نية, وصدق طوية, أن محمد بن عبد الله عبده ونبيه, وخاصته وصفيه, ابتعثه إلى خلقه بالبينات والهدى ودين الحق, فبلغ مألكته, ونصح لأمته, وجاهد في سبيله, لا تأخذه في الله لومة لائم, ولا يصده عنه زعم زاعم, ماضياً على سنته, موفياً على قصده, حتى أتاه اليقين. فصلى الله على محمد وعلى آل محمد أفضل وأزكى, وأتم وأنمى, وأجل وأعلى صلاة صلاها على صفوة أنبيائه, وخالصة ملائكته, وأضعاف ذلك, إنه حميد مجيد.

أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله والعمل بطاعته, والمجانبة لمعصيته, فأحضكم على ما يدنيكم منه, ويزلفكم لديه, فإن تقوى الله أفضل زاد, وأحسن عاقبة في معاد. ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها وخدعها, وفوائن لذاتها, وشهوات آمالها, فإنها متاع قليل, ومدة إلى حين, وكل شيء منها يزول, فكم عاينتم من أعاجيبها, وكم نصبت لكم من حبائلها, وأهلكت ممن جنح إليها واعتمد عليها, أذاقتهم حلواً, ومزجت لهم سماً. أين الملوك الذين بنوا المدائن, وشيدوا المصانع, وأوثقوا الأبواب, وكاثفوا الحجاب, وأعدوا الجياد, وملكوا البلاد, واستخدموا التلاد، قبضتهم بمخلبها، وطحنتهم بكلكلها، وعضتهم بأنيابها، وعاضتهم من السعة ضيقا، ومن العز ذلاً، ومن الحيلة فناء، فسكنوا اللحود، وأكلهم الدود، وأصبحوا لا تعاينُ إلا مساكنهم، ولا تجد إلا معالمهم، ولا تحسس منهم أحد ولا تسمع لهم نَبساً.

فتزودوا عافاكم الله فإن أفضل الزاد التقوى, واتقوا الله يا أولى الألباب لغلكم تفلحون. جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بمواعظه, ويعمل لحظه وسعادته, وممن يستمع القول فيتبع أحسنه, أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب. إن أحسن قصص المؤمنين, وأبلغ مواعظ المتقين كتاب الله, الزكية آياته, الواضحة بيناته, فإذا تلي عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تهتدون.

أعوذ بالله القوي, من الشيطان الغوي, إن الله هو السميع العليم. بسم الله الفتاح المنان. قل هو الله أحد, الله الصمد, لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفواً أحد.

نفعنا الله وإياكم بالكتاب الحكيم, وبالآيات والوحي المبين, وأعاذنا وإياكم من العذاب الأليم. وأدخلنا جنات النعيم. وأقول ما به أعظكم, وأستعتبُ الله لي ولكم."

 

خطبة خالية من حرف الألف

خطبة لسيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه خالية من حرف الألف:

"حَمِدتُ مَن عَظُمَت مِنَّتُهُ، وَ سَبَغَت نِعمَتُهُ، وَ سَبَقَت رَحمَتُهُ، وَ تَمَّت کَلِمَتُهُ، وَ نَفَذَت مَشیَّتُهُ، وَ
بَلَغَت حُجَّتُهُ، و عَدَلَت قَضیَّتُهُ، وَ حَمِدتُ حَمدَ مُقِرٍّ بِرُبوبیَّتِهِ، مُتَخَضِّعٍ لِعُبودیَّتِهِ، مُتَنَصِّلٍ مِن
خَطیئتِهِ، مُعتَرِفٍ بِتَوحیَدِهِ، مُستَعیذٍ مِن وَعیدِهِ، مُؤَمِّلٍ مِن رَبِّهِ مَغفِرَةً تُنجیهِ، یَومَ یُشغَلُ عَن
فَصیلَتِهِ وَ بَنیهِ، وَ نَستَعینُهُ، وَ نَستَرشِدُهُ، وَ نُؤمِنُ بِهِ، وَ نَتَوَکَّلُ عَلَیهِ، وَ شَهِدتُ لَهُ بِضَمیرٍ
مُخلِصٍ موقِنٍ، وَ فَرَّدَتُهُ تَفریدَ مُؤمِنٍ مُتقِنٍ، وَ وَحَّدَتُهُ تَوحیدَ عَبدٍ مُذعِنٍ لَیسَ لَهُ شَریکٌ فی
مُلکِهِ، وَ لَم یَکُن لَهُ وَلیٌّ فی صُنعِهِ، جَلَّ عَن مُشیرٍ وَ وَزیرٍ، وَ تَنَزَّهَ عَن مِثلٍ وَ نَظیرٍ، عَلِمَ
فَسَتَرَ، وَ بَطَنَ فَخَبَرَ، وَ مَلَکَ، فَقَهَرَ، وَعُصیَ فَغَفَرَ، وَ عُبِدَ فَشَکَرَ، وَ حَکَمَ فَعَدَلَ، وَ تَکَرَّمَ وَ
تَفَضَّلَ، لَم یَزَل وَ لَم یَزولَ، وَ لیسَ کَمِثلِهِ شَیءٌ، وَهُوَ قَبلَ کُلِّ شَیءٍ وَ بَعدَ کُلِّ شَیءٍ، رَبٌّ
مُتَفَرِّدٌ بِعِزَّتِهِ، مَتَمَلِّکٌ بِقُوَّتِهِ، مُتَقَدِّسٌ بِعُلُوِّهِ، مُتَکَبِّرٌ بِسُمُوِّهِ لَیسَ یُدرِکُهُ بَصَرٌ، وَ لَم یُحِط بِهِ
نَظَرٌ، قَویٌ، مَنیعٌ، بَصیرٌ، سَمیعٌ، علیٌّ، حَکیمٌ، رَئوفٌ، رَحیمٌ، عَزیزٌ، عَلیمٌ، عَجَزَ فی وَصفِهِ
مَن یَصِفُهُ، وَ ضَلَّ فی نَعتِهِ مَن یَعرِفُهُ، قَرُبَ فَبَعُدَ، وَ بَعُدَ فَقَرُبَ، یُجیبُ دَعوَةَ مَن یَدعوهُ، وَ
یَرزُقُ عَبدَهُ وَ یَحبوهُ، ذو لُطفٍ خَفیٍّ، وَ بَطشٍ قَویٍّ، وَ رَحمَةٍ موسِعَةٍ، وَ عُقوبَةٍ موجِعَةٍ،
رَحمَتُهُ جَنَّةٌ عَریضَةٌ مونِقَةٌ، وَ عُقوبَتُهُ حَجیمٌ مؤصَدَةٌ موبِقَةٌ، وَ شَهِدتُ بِبَعثِ مُحَمَّدٍ عَبدِهِ وَ
رَسولِهِ صَفیِّهِ وَ حَبیبِهِ وَ خَلیلِهِ، بَعَثَهُ فی خَیرِ عَصرٍ، وَ حینَ فَترَةٍ، وَ کُفرٍ، رَحمَةً لِعَبیدِهِ، وَ
مِنَّةً لِمَزیدِهِ، خَتَمَ بِهِ نُبُوَّتَهُ، وَ قَوّی بِهِ حُجَّتَهُ، فَوَعَظَ، وَ نَصَحَ، وَ بَلَّغَ، وَ کَدَحَ، رَؤفٌ بِکُلِّ
مُؤمِنٍ، رَحیمٌ، ولیٌّ، سَخیٌّ، ذَکیٌّ، رَضیٌّ، عَلَیهِ رَحمَةٌ، وَ تَسلیمٌ، وَ بَرَکَةٌ، وَ تَعظیمٌ، وَ تَکریمٌ
مِن رَبٍّ غَفورٍ رَحیمٍ، قَریبٍ مُجیبٍ، وَصیَّتُکُم مَعشَرَ مَن حَضَرَنی، بِتَقوی رَبِّکُم، وَ ذَکَّرتُکُم
بِسُنَّةِ نَبیِّکُم، فَعَلَیکُم بِرَهبَةٍ تُسَکِّنُ قُلوبَکُم، وَ خَشیَةٍ تَذری دُموعَکُم، وَ تَقیَّةٍ تُنجیکُم یَومَ
یُذهِلُکُم، وَ تُبلیکُم یَومَ یَفوزُ فیهِ مَن ثَقُلَ وَزنَ حَسَنَتِهِ، وَ خَفَّ وَزنَ سَیِّئَتِهِ، وَ لتَکُن مَسئَلَتُکُم
مَسئَلَةَ ذُلٍّ، وَ خُضوعٍ، وَ شُکرٍ، وَ خُشوعٍ، وَ تَوبَةٍ، وَ نَزوعٍ، وَ نَدَمٍ وَ رُجوعٍ، وَ لیَغتَنِم کُلُّ
مُغتَنَمٍ مِنکُم، صِحَّتَهُ قَبلَ سُقمِهِ، وَ شَیبَتَهُ قَبلَ هِرَمِهِ، وَ سِعَتَهُ قَبلَ عَدَمِهِ، وَ خَلوَتَهُ قَبلَ شُغلِهِ، وَ
حَضَرَهُ قَبلَ سَفَرِهِ، قَبلَ هُوَ یَکبُرُ، وَ یَهرَمُ، وَیَمرَضُ، وَ یَسقَمُ، وَ یُمِلُّهُ طَبیبُهُ، وَ یُعرِضُ عَنهُ
جَیِبُهُ، وَ یَتَغَیَّرَ عَقلُهُ، وَ لیَقطِعُ عُمرُهُ، ثُمَّ قیلَ هُوَ مَوَعوکَ، وَ جِسمُهُ مَنهوکٌ، قَد جَدَّ فی نَزعٍ
شَدیدٍ، وَ حَضَرَهُ کُلُّ قریبٍ وَ بَعیدٍ، فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ، وَ طَمَحَ بِنَظَرِهِ، وَ رَشَحَ جَبینُهُ، وَ سَکَنَ
حَنینُهُ، وَ جُذِبَت نَفسُهُ، وَ نُکِبَت عِرسُهُ، وَ حُفِرَ رَمسُهُ، وَ یُتِمَّ مِنهُ وُلدُهُ، وَ تَفَرَقَ عَنهُ عَدَدُهُ، وَ
قُسِّمَ جَمعُهُ، وَ ذَهَبَ بَصَرُهُ وَ سَمعُهُ، وَ کُفِّنَ، وَ مُدِّدَ، وَ وُجِّهَ، وَ جُرِّدَ، وَ غُسِّلَ، وَ عُرِیَ، وَ
نُشِفَ، وَ سُجِیَ، وَ بُسِطَ لَهُ، وَ نُشِرَ عَلَیهِ کَفَنُهُ، وَ شُدَّ مِنهُ ذَقَنُهُ، وَ قُمِّصَ، وَ عُمِّمَ، وَ لُفَّ، وَ
وُدِعَّ، وَ سُلِّمَ، وَ حُمَلِ فَوقَ سَریرٍ، وَ صُلِّیَ عَلَیهِ بِتَکبیرٍ، وَ نُقِلَ مِن دورٍ مُزَخرَفَةٍ، وَ قُصورٍ
مُشَیَّدَةٍ، وَ حَجُرٍ مُنَضَّدَةٍ، فَجُعِلَ فی ضَریحٍ مَلحودَةٍ، ضَیِّقٍ مَرصوصٍ بِلبنٍ، مَنضودٍ، مُسَقَّفٍ
بِجُلمودٍ، وَ هیلَ عَلیهِ حَفَرُهُ، وَ حُثِیَ عَلیهِ مَدَرُهُ، فَتَحَقَّقَ حَذَرُهُ، وَ نُسِیَ خَبَرُهُ وَ رَجَعَ عَنهُ
وَلیُّهُ، وَ نَدیمُهُ، وَ نَسیبُهُ، وَ حَمیمُهُ، وَ تَبَدَّلَ بِهِ قرینُهُ، وَ حَبیبُهُ، وَ صَفیُّهُ، وَ نَدیمُهُ فَهُوَ حَشوُ
قَبرٍ، وَ رَهینُ قَفرٍ، یَسعی فی جِسمِهِ دودُ قَبرِهِ وَ یَسیلُ صَدیدُهُ مِن مِنخَرِهِ، یُسحَقُ ثَوبُهُ وَ
لَحمُهُ، وَ یُنشَفُ دَمُهُ، وَ یُدَقُّ عَظمُهُ، حَتّی یَومَ حَشرِهِ، فَیُنشَرُ مِن قَبرِهِ، وَ یُنفَخُ فِی الصّورِ، وَ
یُدعی لِحَشرٍ وَ نُشورٍ، فَثَمَّ بُعثِرَت قُبورٌ، وَ حُصِّلَت صُدورٌ، وَ جیء بِکُلِّ نَبیٍّ، وَ صِدّیقٍ، وَ
شَهیدٍ، وَ مِنطیقٍ، وَ تَوَلّی لِفَصلِ حُکمِهِ رَبٌّ قدیرٌ، بِعَبیدِهِ خَبیرٌ وَ بَصیرٌ، فَکَم مِن زَفرَةٍ
تُضنیهِ، وَ حَسرَةٍ تُنضیهِ، فی مَوقِفٍ مَهولٍ عَظیمٍ، وَ مَشهَدٍ جَلیلٍ جَسیمٍ، بَینَ یَدَی مَلِکٍ کَریمٍ،
بِکُلِّ صَغیرَةٍ وَ کَبیرَةٍ عَلیمٍٍ، حینَئِذٍ یُلجِمُهُ عَرَقُهُ، وَ یَحفِزُهُ قَلَقُهُ، عَبرَتُهُ غَیرُ مَرحومَةٍ، وَ
صَرخَتُهُ غَیرُ مَسموعَةٍ، وَ حُجَّتُهُ غَیرُ مَقبولَةٍ، وَ تَؤلُ صَحیفَتُهُ، وَ تُبَیَّنُ جَریرَتُهُ، وَ نَطَقَ کُلُّ
عُضوٍ مِنهُ بِسوءِ عَمَلِهِ وَ شَهِدَ عَینُهُ بِنَظَرِهِ وَ یَدُهُ بِبَطشِهِ وَ رِجلُهُ بِخَطوِهِ وَ جِلدُهُ بِمَسِّهِ وَ فَرجُهُ
بِلَمسِهِ وَ یُهَدِّدَهُ مُنکَرٌ وَ نَکیرٌ وَ کَشَفَ عَنهُ بَصیرٌ فَسُلسِلَ جیدُهُ وَ غُلَّت یَدُهُ وَ سیقَ یُسحَبُ
وَحدَهُ فَوَرَدَ جَهَنَّمَ بِکَربٍ شَدیدٍ وَ ظَلَّ یُعَذَّبُ فی جَحیمٍ وَ یُسقی شَربَةٌ مِن حَمیمٍ تَشوی وَجهَهُ وَ
تَسلخُ جَلدَهُ یَضرِبُهُ زَبینَتُهُ بِمَقمَعٍ مِن حدیدٍ یَعودُ جِلدُهُ بَعدَ نَضجِهِ بِجلدٍ جدیدٍ یَستَغیثُ فَیُعرِضُ
عَنهُ خَزَنَةُ جَهَنَّمُ وَ یَستَصرخُ فَیَلبَثُ حُقبَهُ بِنَدَمٍ نَعوذُ بِرَبٍّ قَدیرٍ مِن شَرِّ کُلِّ مَصیرٍ وَ نَسئَلُهُ
عَفوَ مَن رَضیَ عَنهُ وَ مَغفِرَةَ مَن قَبِلَ مِنهُ فَهُوَ وَلیُّ مَسئَلَتی وَ مُنحُجِ طَلِبَتی فَمَن زُحزِحَ عَن
تَعذیبِ رَبِّهِ سَکَنَ فی جَنَّتِهِ بِقُربِهِ وَ خُلِّدَ فی قُصورِ مُشَیَّدةٍ وَ مُکِّنَ مِن حورٍ عینٍ وَ حَفَدَةٍ وَ
طیفَ عَلَیهِ بِکُئوسٍ وَ سَکَنَ حَظیرَةَ فِردَوسٍ، وَ تَقَلَّبَ فی نَعیمٍ، وَ سُقِیَ مِن تَسنیمٍ وَ شَرِبَ مِن
عَینٍ سَلسَبیلٍ، مَمزوجَةٍ بِزَنجَبیلٍ مَختومَةً بِمِسکٍ عَبیرٍ مُستَدیمٍ لِلحُبورٍ مُستَشعِرٍ لِلسّرورِ
یَشرَبُ مِن خُمورٍ فی رَوضٍ مُشرِقٍ مُغدِقٍ لَیسَ یَصدَعُ مَن شَرِبَهُ وَ لَیسَ یَنزیفُ هذِهِ مَنزِلَةُ
مَن خَشِیَ رَبَّهُ وَ حَذَّر نَفسَهُ وَ تِلکَ عُقوبَةُ مَن عَصی مُنشِئَهُ وَ سَوَّلَت لَهُ نَفسُهُ مَعصیَةَ مُبدیهِ
ذلِکَ قَولٌ فَصلٌ وَ حُکمٌ عَدلٌ خَیرُ قَصَصٍ قَصَّ وَ وَعظٍ بِهِ نَصَّ تَنزیلٌ مِن حَکیمٍ حَمیدٍ نَزَلَ
بِهِ روحُ قُدُسٍ مُبینٍ عَلی نَبیٍّ مُهتَدٍ مَکینٍ صَلَّت عَلَیهِ رُسُلٌ سَفَرَةٌ مُکَرَّمونَ بَرَرَةٌ عُذتُ بِرَبٍ
رَحیمٍ مِن شَرِّ کُلِّ رَجیمٍ فَلیَتَضَرَّع مُتَضَرِّعُکُم وَ لیَبتَهِل مُبتَهِلُکُم فَنَستَغفِرُ رَبَّ کُلِّ مَربوبِ لی
وَ لَکُم."

من مقامات بديع الزمان

من مقامات بديع الزمان:


"حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامِ قَالَ:

لَمَّا قَفَلْتُ مِنَ الحَجِّ فِيمَنْ قَفَلَ، وَنَزَلْتُ مَعَ مَنْ نَزلَ،

قُلْتُ لِغُلامي: أَجِدُ شَعْرِي طَوِيلاً، وَقَدْ اتَّسَخَ بَدَنِي قَليلاً، فَاخْتَرْ لَنَا حَمَّامَاً نَدْخُلهُ، وَحَجَّامَاً نَسْتَعْمِلهُ، وَلِيَكُنْ الحَمَّامُ وَاسِعَ الرُّقْعَةِ، نَظِيفَ البُقْعَةِ، طَيِّبَ الهَوَاءِ، مُعْتَدِلَ المَاءِ، وَلْيِكُنْ الحَجَّامُ خَفِيفَ اليَدِ، حَدِيدَ المُوسَى، نَظيفَ الثِّيابِ، قَليلَ الفُضُولِ، فَخَرَجَ مَلِيّاً وَعَادَ بَطِيّاً،

وَقالَ: قَدْ اخْتَرْتُهُ كَمَا رَسَمْتَ، فَأَخَذْنَا إِلَى الحَمَّامَ السَّمْتَ، وَأَتَيْناهُ فَلَمْ نَرَ قَوّامَهُ، لَكِنِّي دَخَلْتُهُ وَدَخَلَ عَلى أَثَرِي رَجُلٌ وَعَمَدَ إِلى قِطْعَةِ طِينٍ فَلطَّخَ بِها جَبِينِي، وَوَضَعَها على رأَسِي، ثُمَّ خَرَجَ وَدَخَل آخَرُ فَجَعَلَ يَدْلِكُنِي دَلْكَاً يَكُدُّ العِظامَ، وَيَغْمِزُنِي غَمْزَاً يَهُدُّ الأَوْصالَ وَيُصَفِّرُ صَفِيراً يَرُشُ البُزَاقَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلى رَأَسِي يَغْسِلْهُ، وَإِلَى المَاءِ يُرْسِلهُ، وَمَا لَبِثَ أَنْ دَخَلَ الأَوَّلُ فَحَيَّا أَخْدَعَ الثَّانِي بِمَضُمومَةٍ قَعْقَعَتْ أَنْيابَهُ،

وَقَالَ: يَا لُكَعُ مَا لَكَ وَلِهَذا الرَّأْسِ وَهُوَ لي؟ ثُمَّ عَطَفَ الثَّاني عَلى الأَوَّلِ بِمَجْمُوعَةٍ هَتَكَتْ حِجَابَهُ،

وَقالَ: بَلْ هَذَا الرَّأْسُ حَقِّي وَمِلْكِي وَفِي يَدِي، ثُمَّ تَلاكَمَا حّتَّى عَيِيَا، وَتَحَاكَمَا لِما بَقِيا، فَأَتَيا صَاحِبَ الحَمَّامِ،

فَقَالَ الأَوَّلُ: أَنَا صَاحِبُ هَذا الرَّأْسِ؛ لأَنِّي لَطَّخْتُ جَبِينَهُ، وَوَضَعْتُ عَلَيْهِ طِيَنهُ،

وَقَالَ الثَّاني: بَلْ أَنَا مَالِكُهُ؛ لأَني دَلَكْتُ حَامِلَهُ، وَغَمَزْتُ مَفَاصِلَهُ، فَقَالَ الحَمَّامِيُّ: ائْتُونِي بِصَاحِبِ الرَّأْسِ أَسْأَلهُ، أَلَكَ هذَا الرَّأْسُ أَمْ لَهُ، فَأَتَيَانِي

وَقَالا: لَنَا عِنْدَكَ شَهَادَةٌ فَتَجَشَّمْ، فَقُمْتُ وَأَتَيْتُ، شِئْتُ أَمْ أَبَيْتُ،

فَقَالَ الحَمَّامِي: يَا رَجُلُ لاَ تَقُل غَيْرَ الصِّدْقِ، وَلا تَشْهَدْ بِغَيْرِ الحَقِّ،

وَقُلْ لِي: هذَا الرَّأْسُ لأيِّهِمَا،

فَقُلْتُ: يَا عَافَاكَ اللهُ هذَا رأْسِي، قَدْ صَحِبَنِي فِي الطَّرِيقِ، وَطَافَ مَعِي بِالْبَيْتِ العَتِيقِ، وَمَا شَككْتُ أَنَّهُ لِي،

فَقالَ لِي: اسْكُتْ يِا فُضُولِيُّ، ثُمَّ مالَ إِلى أَحَدِ الخَصْمَيَنِ

فَقَالَ: يَا هَذَا إِلَى كَمْ هَذِهِ المُنافَسَةُ مَعَ النَّاسِ، بِهذَا الرَّأْسِ؟ تَسَلَّ عَنْ قَلِيلِ خَطَرِهِ، إِلى لَعْنَةِ اللهِ وَحَرِّ سَقَرِهِ، وَهَبْ أَنَّ هَذا الرَّأْسَ لَيْسَ، وَأَنَا لَمْ نَرَ هذَا التَّيْسَ.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُمْتَ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ خَجِلاً، وَلَبِسْتُ الثِّيابَ وَجِلاً، وَانْسَلَلْتُ مِنْ الحَمَّامِ عَجِلاً، وَسَبَبْتُ الغُلاَمَ بِالعَضِّ وَالمصِّ، وَدَقَقْتُهُ دَقَّ الجِصِّ،

وَقُلْتْ لآخَرَ: اذْهَبْ فَأْتِني بِحَجَّامٍ يَحُطُّ عَنِّي هَذا الثِّقَلَ، فَجَاءَني بِرَجُلِ لَطِيفِ البِنْيَةِ، مَلِيحِ الحِلْيَةِ، في صُورَةِ الدُّمْيَةِ، فارْتَحْتُ إِلَيْهِ، وَدَخَلَ

فَقَالَ: السَّلاَمُ عليْكَ، وَمِنْ أَيِّ بَلَدٍ أَنْتَ؟

فَقُلْتُ: مِنْ قُمَّ،

فَقَالَ: حَيَّاكَ اللهُ! مِنْ أَرْضِ النِّعْمَةِ وَالرَّفَاهَةِ وَبَلَدِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَلَقَدْ حَضَرْتُ فِي شَهْرِ رَمضانَ جَامِعَها وَقَدْ أُشْعِلَتْ فِيهِ المَصَابِيحُ، وَأُقِيَمتِ التَّرَاويحُ، فَمَا شَعَرْنا إِلاَّ بِمَدِّ النِّيلِ، وَقَدْ أَتَى عَلَى تِلْكَ القَنَادِيلِ، لكِنْ صَنَعَ اللهُ لِي بِخُفِّ قَدْ كُنْتُ لَبِسْتُهُ رطْباً فَلَمْ يَحْصُلْ طِرَازُهُ على كُمِّهِ، وَعَادَ الصَّبيُّ إِلِى أُمِّهِ، بَعْدَ أَنْ صَلَّيْتُ العَتَمَةَ واعْتَدَلَ الظِّلُّ، وَلَكِنْ كَيفَ كَانَ حَجُّكَ؟ هَلْ قَضَيْتَ منَاَسِكَهُ كَما وَجَبَ، وَصَاحُوا العَجَبَ العَجَبَ؟ فَنَظَرْتُ إِلى المَنَارَةِ، وَمَا أَهْوَنَ الحَرْبَ عَلى النَّظَّارَةِ، وَوجَدْتُ الهَرِيسَةَ عَلى حالِهَا، وَعَلِمْتُ أَنَّ الأَمْرَ بِقَضَاءٍ ِمنَ اللهِ وَقَدرٍ، وَإِلَى مَتَى هَذَا الضَّجَرُ؟ وَاليَوْمُ وَغَدُ، وَالسَّبْتُ وَالأَحَدُ، وَلا أَطِيلُ وَمَا هَذا القَالَ وَالقِيلَ؟ وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ المُبَرِّدَ فِي النَّحْوِ حَدِيدُ المُوسَى فَلاَ تَشْتَغِلْ بِقَوْلِ العَامَّةِ؛ فَلَوْ كَانَتْ الاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ لَكُنْتُ قَدْ حَلَقْتُ رَأَسَكَ، فَهَلْ تَرَى أَنْ نَبْتَدِئَ؟.

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَبَقَيْتُ مُتَحَيِّراً مِنْ بَيَانِهِ، فِي هَذَيَانِهِ، وَخَشِيتُ أَنْ يَطُولَ مَجْلِسَهُ،

فَقُلْتُ: إِلى غَدٍ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ مَنْ حَضَرَ،

فَقَالوا: هَذا رَجُلٌ مِنْ بِلادِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَمْ يُوَافْقُهُ هَذا المَاءُ، فَغَلَبَتْ عَلْيِهِ السَّوْدَاءُ، وَهُو طُولَ النَّهارِ يَهْذِي كَمَا تَرَى، وَوَرَاءَهُ فَضْلٌ كَثِيرٌ،

فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ بِهِ، وَعَزَّ عَلَيَّ جُنُونُهُ،

وَأَنْشأْتُ أَقُولُ:

أَنَا أُعْطِي اللهَ عَـهْـداً *** مُحكَماً في النَّذْرِ عَقْدَا

لا حَلَقْتُ الرَّأْسَ مَا عِشْـ *** تُ وَلَوْ لاقَيْتُ جَـهْـدَا

البلاعة

وينتقي أصحاب الأذواق الرفيعة من الكلمات ألينها في النطق... وأحلاها في الأسماع... أو أوفقها وأكثرها ملاءمة للمعاني التي تدل عليها...
ويخصون بها أقوالهم ذوات الشأن، من خطب، ورسائل، ومقالات، وشعر، وقصة وغير ذلك من موضوعات الكلام المحرر المنتقى، الذي صار يسمى فيما بعد "أدبا"... لأنه في الكلام يشبه أدب السلوك في الأعمال.
[من البلاغة العربية للميداني]

من بلاغة الوصف

(إِذا تأيّمت الأرض من زوج القطر، ووجدت لفقده مسّ الجدب، أخذت في ثياب "فترى الأرض هامدة"...

فإذا قوي فقر القفر، مد أكف الطلب يستعطي زكاة السحاب، فساق الصانع بعلا يسقي بعلا...

فثارت للغياث مثيرة، فجاء الغيث بلا مثيرة ... "فسُقناهُ إِلى بَلَد ميت" وتأثير صناعة المعلم في البليد أعجب.

فلبس الجوّ مِطرفَهُ الأدكن، وأقبلت خيّالة القطر شاهرةً سيوف البرْق... فأخذ فَراش الهوى، يرشُّ جيش النسيم، فباحت الريح بمكنون المطر ...

فاستعار السحابُ جفونَ العشاق، وأكُف الأجواد، فامتلأت الأودية أنهارا...

..فارتبع الربيع أوسط بلاد الزمان، فأعار الأرضَ أثواب الصبا، فانتبهت عيون الأرض من سِنة الكرى...

ونهضت عرائس النبات ترفُل في أنواع الحُلل... فكأن النرجسَ عَين، ووَرَقَه وَرِق...

فالشقائق يحكي لون الخجَل... والبهار يصف حال الوجَل... والبنفسج كآثار العض في البدن.. والنيلوفر يغفو وينتبه... والأغصان تعتنق وتفترق... فاجتمعت في عرس التواصل فنون القيان... فعلا كلُّ ذي فنّ على فنن، فتطارحت الأطيار مناظرات السجوع، فأعرب كلٌ بلغته عن شوقه، فالحمام يهدر، والبلبل يخطب، والقُمري يرجع، والهدهد يهدد، والأغصان تتمايل... كلها تشكر للذي بيده عقدة النكاح... )) اللطائف لابن الجوزي.

من بلاغة الحجاج

اشتهر الحجاج بقوته الخطابية وبلاغة عباراته وقوتها، وتنوعت خطبه بين التهديد والإنكار والوعظ والتذكير، فمن وعظه:

"أيها الناس، قد أصبحتم في أجل منقوص، وعمل محفوظ.

رُبَّ دائبٍ مضيّع، وساعٍ لغيره، والموتُ في أعناقكم، والنارُ بين أيديكم، والجنةُ أمامكم.

...

خذوا من أنفسكم لأنفسكم، ومن غناكم لفقركم، ومما في أيديكم لما بين أيديكم، فكأن ما قد مضى من الدنيا لم يكن، وكأن الأموات لم يكونوا أحياء، وكل ما ترونه فإنه ذاهب.

هذه شمسُ عادٍ وثمود وقرون كثيرة بين ذلك .. هذه الشمس التي طلعت على التبابعة والأكاسرة، وخزائنهم السائرة بين أيديهم، وقصورهم المشيدة .. ثم طلعت على قبورهم.

أين الملوك الأولون؟ أين الجبابرة المتكبرون؟

المحاسب الله، والصراط منصوب، وجهنم تزفر وتتوقد.

وأهل الجنة ينعمون، في روضة يحبرون, جعلنا الله وإياكم من الذين {إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} .

فكان الحسن البصري رحمه الله يقول: "ألا تعجبون من هذا الفاجر؟ يرقى عتبات المنبر، فيتكلم بكلام الأنبياء، وينزل فيفتك فتك الجبارين، يوافق الله في قوله, ويخالفه في فعله".

عجيبة هي الحياة

عجيبة هي الحياة بمنطقها المعاكس. أنت تركض خلف الأشياء لاهثاً، فتهرب الأشياء منك. وما تكاد تجلس وتقنع نفسك بأنها لا تستحق كل هذا الركض، حتى تأتيك هي لاهثة. وعندها لا تدري أيجب أن تدير لها ظهرك أم تفتح لها ذراعيك، وتتلقى هذه الهبة التي رمتها السماء إليك، والتي قد تكون فيها سعادتك، أو هلاكك؟”
― أحلام مستغانمي

رجل طلق خمس نسوة في آن

ومِن طُرَفِ الأصمعي ما حدَّثه، قال: قُلتُ للرشيدِ يومًا: بلغني يا أمير المؤمنين أن رجلًا من العرب طَلَّقَ خَمسَ نسوة، قال الرشيد: إِنّما يَجوزُ مُلك رَجلٍ على أربعِ نِسوة فكيفَ طَلَّقَ خمسًا، قُلت: كان لِرجلٍ أربعُ نِسوة فَدخلَ عَليهِن يومًا فَوَجَدَهُنَّ مُتلاحياتٍ مُتنازِعات - وكان الرجلُ سِيءُ الخُلق - فقال: إلى متى هذا التَنازُع؟ ما أخالُ هذا الأمرَ إلا مِن قِبَلِك - يقولُ ذلك لامرأةٍ مِنهُن - اذهبي فأنتِ طالِق! فقالت لَهُ صاحِبَتُها: عَجَّلتَ عليها بالطلاقِ، لو أدَّبتَها بِغَيرِ ذلك لكُنتَ حقيقًا، فقالَ لها: وأنتِ أيضًا طالِق! فقالت له الثالثة: قَبَّحكَ الله! فَوالله لقد كانتا إليكَ مُحسِنَتينِ، وعليَك مُفْضِلَتين! فقال: وأنتِ أيتها المُعَدِّدةُ أياديهما طالِقٌ أيضًا، فقالت له الرابعةُ وكانت هِلالية وفيها أناةٌ شَديدةٌ - ضَاقَ صَدرُكَ عَن أنْ تُؤَدِّبَ نِساءَكَ إلا بالطلاق! فقال لها: وأنتِ طالِقٌ أيضًا! وكان ذلك بِمَسمَعٍ مِن جَارةٍ لَه، فأشَرَفَتْ عليهِ بعد أنْ سَمِعَت كلامَه، فقالت: والله ما شَهِدَتْ العَربُ عَليكَ وعلى قَومِكَ إلا بالضَعف إلا لما بَلوه مِنكم ووجدوه منكم، أبَيتَ إلا طلاق نِسائَكَ في ساعةٍ واحدة! قال: وأنتِ أيَّتُها المُؤَنِبَةُ المُتَكَلِّفَةُ طالِقٌ، إنْ أجازَ زَوجُك! فأجابهُ زوجُها مِن داخل بيتِهِ: قَد أجزت! قد أجزت!

1 2 3 ... 18 19 20  التالي»