ماء الوجه لا يباع

مروءة العرب

ماء الوجه لا يباع

يروى أنّ أعرابياً كان يسكن بجوار الحسن بن علي رضي الله عنهما ..وقد أصابه الفقر والعوز الشديد ..

فقالت له زوجته :-

اذهب إلى الحسنِ فهو كريم آل البيت ولا يردُ سائلاً ..فقال لها :-

أخجل من ذلك، فقالت إن لم تذهب أنت ذهبت أنا ..

فأجابها بأن سيكتب إليه ، وكانٓ شاعراً ، فكتب للحسن بيتين من الشعرِ قال فيهما :-

لم يبقَ عندي ما يباع ويُشترى

.................يكفيكَ رؤية مظهري عن مخبري .

إلا بقية ماء وجه صنته ُعن

.................... أن يباع وقد وجدتكَ مُشتري .

وأرسلها إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما ،

فقرأها الحسن وبكى ، وجمع ما عنده من مال وأرسله إليه ..وكتب له :-

عاجلتنا فأتاكَ عاجل برنا

..........................طلاً ولو أمهلتنا لم نقصرِ .

فخذ القليل وكنْ كأنكَ لم تبع

..........................ما صنتهُ و كأننا لم نشترِ .

تميم بن جميل السدوسي و المعتصم


تميم بن جميل السدوسي و المعتصم

كان تميم بن جميل السدوسي قد خرج (1) بشاطئ الفرات و اجتمع إليه كثير من الأعراب ، فعظم أمره ، وبعد ذكره ، فكتب المعتصم إلى مالك بن طوق في النهوض إليه ، فبدد جمعه و ظفر به وحمله موثقا إلى المعتصم . قال أحمد بن أبي داوود ما رأينا رجلا عاين الموت فما هاله و لا أذهله عما كان يجب عليه أن يفعله الا تميم بن جميل ، فانه أوفى به الرسول باب أمير المؤمنين المعتصم في يوم الموكب حين يجلس للعامة ، ودخل عليه ، فلما مثل بين يديه ، دعا بالنطع (2) و السيف فأحضرا ، فجعل تميم بن جميل ينظر إليهما و لا يقول شيئا ، وجعل المعتصم يصعد النظر فيه وكان جسيما وسيما ، ورأى أن يستنطقه ، لينظر أين جنانه ولسانه من منظره ، فقال : يا تميم ، إن كان لك عذر فات به ، أو حجة فأدل بها . فقال : أما وقد أذن لي أمير المؤمنين ، فاني أقول : الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه ، وبدأ خلق الإنسان من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء معين ، جبر بك صدع الدين ، ولمّ بك شعث (3)المسلمين و أوضح بك سبل الحق ، وأخمد بك شهاب الباطل ، يا أمير المؤمنين ، إن الذنوب تخرس الألسنة الفصيحة ، و تعيي الأفئدة الصحيحة ، ولقد عظمت الجريرة ، و انقطعت الحجة ، و كبر الذنب ، و ساء الظن ، ولم يبق إلا عفوك ، أو انتقامك ، و أرجو أن يكون أقربهما مني و أسرعهما إلى أولاهما بامتنانك ، و أشبههما بخلافتك ث/ أنشأ يقول :

أرى الموت بين السيف و النطع كامنا...

يلاحظني من حيثمــــا أتلفت

وأكبر ظني أنك اليوم قاتــــــــــــلي ...

وأي امرئ مما قضى الله يفلت

ومن ذا الذي يدلي بعــــــذر و حجة...

وسيف المنايا بين عينيه مصلت

وما جزعي من أن أموت وإنني ...

لأعلم أن الموت شيء مؤقت

ولكن خلفي صيية قد تركتهم ...

و أكبادهم من حسرة تتفتت

كأني أراهم حين أنعى إليهم ...

وقد خمشوا تلك الوجوه و صوتوا

فان عشت، عاشوا خافضين بغبطة

أذود الردى عنهم ، وان مت موتوا

فكم قائل , لا أبعد الله داره ....

و آخر جذلان ، يسر و يشمت

فتبسم المعتصم وقال : كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل ، فقد غفرنا لك الصبوة ، ووهبناك للصبية ، ثم أمر بفك قيوده و خلع عليه ، وعقد له بشاطئ الفرات .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- خرج على السلطان : أي ثار عليه

2- النطع : البساط الذي يوضع عليه المحكوم بالإعدام

3- لم شعث المسلمين أي جمعهم بعد تفرق
 

_________________

صديقك الحق

صديقك الحق الذي كان معكْ
ومَن يضر نفسه لينفعكْ
ومن إذا ريب الزمان صَدَّعك
شَتَّت فيك شمله ليجمعك.
قال الزمخشري: يحكى عن الحسن أنه دخل داره, وإذا حلقة من أصدقائه, وقد استلوا سلالًا من تحت سريره, فيها الخبيص, وأطايب الأطعمة, وهم مكبون عليها, يأكلون. فتهللت أسارير وجهه سرورًا وضحِك, وقال: هكذا وجدناهم, هكذا وجدناهم. يريد كبراء الصحابة, ومَن لقيهم من البدريين رضي الله عنهم. وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب, فيسأل جاريته كيسَه, فيأخذ منه ما شاء, فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سرورًا بذلك.
وعن جعفر الصادق, رحمه الله : من عظيم حرمة الصديق, أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة, بمنزلة النفس والأب والأخ والابن. كأنه يشير إلى قوله تعالى في سورة النور: " ...... أو صديقكم ......"
وقال ابن المقفع: ابذل لصديقك دمك ومالك, ولمعرفتك رفدك ومحضرك, وللعامة بشرك وتحننك, ولعدوك عدلك وإنصافك. واضنن بدينك وعرضك على كل أحد.

ومنْ يصنع المعروفَ في غير أهله ِ يلاقي الذي لاقـَى مجيرُ أم ِّ عامر


العرب يسمون الضبعة أم عامر ، وأصل هذا المثل أنّ جماعة ً من العرب خرجت للصيد، فعرضت لهم ضبعةٌ فطاردوها ، وكان الجو شديد الحر ،فدخلت الضبعة خباء ( بيت ) أعرابي ، فخرج الأعرابي فرآها مجهدة ً في ذلك الحر الشديد ، ورأى أنها قد التجأت إلى خبائه مستجيرة ً به ، فصاح بالقوم : ما شأنكم ؟ قالوا : صيدنـــــــــــا وطريدتنا قال : إنها قد أصبحت في جواري ،ولن تصلوا إليها ما ثبت قائم سيفـي في يدي ،فانصرف القوم . ونظر الأعرابي فرأى الضبعة جائعة ً ، فقام إلى شاتــه ِفحلبها ، وقدم للضبعة الماء واللبن فشربت حتى ارتدت لها عافيتها ، فلما أقبل الليــــل نام الأعرابي مرتاح البال بما صنع للضبعة من الإحسان . لكن أم عامر نظرت إليـــــه فوجدته نائما ً ، فوثبت عليه ِ ، وبقرت بطنه وشربت من دمه ِ ، وتركته وسارت.وفي الصباح اقبل ابن عم الأعرابي يطلبه فوجده قتيلا ً ، فاقتفى أثر الضبعة حتـــى وجدها ، فرماها بسهم فقتلها ، ثم أنشد قائلا :

ومنْ يصنع المعروفَ في غير أهله ِ

يلاقي الذي لاقـَى مجيرُ أم ِّ عامر ِ

أدام لها حين استجارت بقـــــــربهِ

طعاما ٌ وألبان اللقاح ِ الدرائـــــــر ِ

وسمـَّـنها حتى إذا مـــــا تكاملــــتْ

فـَـرَتـْه ُ بأنياب ٍ لها وأظافــــــــــر ِ

فقلْ لذوي المعروف ِ هذا جزاء منْ

بدا يصنعُ المعروفَ في غير شاكر ِ

_________________

 

في مدرسة الخمسين

Normal 0 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;}

" في الخمسين رسخ اعتقادى أن أكبر الخسارات أن يكسب الإنسان الآخرين، ويخسر نفسه. وصح عندي أن الصراحة الكاملة هي المنهج الذي ينبغي اتباعه في الحياة العملية. وفى الخمسين لم يعد المظهر يخدعني. ولم يعد الادعاء أو علو الصوت يستهويني. وفى الخمسين أصبحت أكثر وعيًا بقيمة الوقت، ونجحت في ضبط الموعد، رغم صعوبة ذلك.وفى الخمسين أصبح حجم ما أرفضه أكبر من حجم ما أقبله. وفى الخمسين أصبحت أكثر وعيًا بالصيغة التي اختارها لمعنى الثقافة والحرية. وفى الخمسين هدأت نفسي قليلًا، ولم أعد أنتظر ثوابًا على ما أفعل، كما لم يعد رضا الآخرين عنى في جميع الأحوال يعنيني كثيرًا...ضاقت لدى رقعة أحلام اليقظة، وإن لم تفارقني، واتسعت أمامي رقعة العمل والخيال"

د. محمود الربيعي

طرفة

طرفة

 

كان أبو نُعيم الفضل بن دكين -الإمام المحدث- ذا دعابة

دقّ رجلُ عليه الباب، فقال: من ذا ؟

قال: أنا.

قال: من أنا ؟

قال: رجل من ولد آدم.

فخرج إليه أبو نعيم وقبّله، وقال:

"مرحبا وأهلا، ما ظننت أنه بقي من هذا النسل أحد".

 

سير أعلام النبلاء:١٥٤/١٠

أفصح العرب

( أفصح العرب )

جاء في تاج العروس للزبيدي (1/11):

قال أبو الخطَّاب بن دِحْية :

وأفصحُ العربِ قُريشٌ وذلك لأن الله تعالى اختارَهم من جميع العرب واختار منهم محمداً صلّى الله عليه وسلّم،

فجعل قريشاً سكَّانَ حرَمِه وَوُلاةَ بيتِه فكانت وُفودُ العرب من حُجَّاجها وغيرِهم يَفِدون إلى مكَّةَ للحَجِّ ويتَحاكمون إلى قريش.

وكانت قريشٌ مع فصاحتها وحًسنِ لُغاتها ورِقَّةِ ألسنَتِها إذا أتتْهم الوفودُ من العرب تَخيَّروا من كلامهم وأشعارِهم أحسنَ لُغاتِهم وأصفى كلامِهم فاجتمع ما تخيَّروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طُبعوا عليها فصاروا بذلك أفصح العرب.

ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم

عنعنَةَ تميمٍ

ولا عَجْرفة قيسٍ

ولا كَشْكَشَة أسد

ولا كَسكَسةَ ربيعة

ولا الكَسْر الَّذِي تسمَعه من أسدَ وقَيْس.

قال الفراء:

العنعنة في قيس وتميم تَجعل الهمزةَ المبدوءَ بها عيناً فيقولون في إنك عِنّكَ وفي أسلم عسلم .

والكشكشة في ربيعة ومضر يَجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شيناً فيقولون رأيتُكِش ومررتُ بكِش.

والكسكسة فيهم أيضاً يجعلون بعد الكاف أو مكانها سيناً في المذكّر فيقولون عليكس.

والكَسْر مثل: شِعير وبِعير.

والفحفحة في لغة هذيل يجعلون الحاء عيناً.

والوَكَم في لغة بني كلب فيقولون علَيكِمْ وبِكِمٌْ.

والوهم في لغة بني كلب أيضا فيقولون مِنْهِمْ وعنهِمٌْ.

والعجعجة في قُضاعة يجعلون الياءَ المشدّدة جيماً يقولون في تميميٍّ تميمجّ.

والاستِنطاء لغة سعدِ بن بكرٍ وهُذيل والأزْدِ وقيس والأنصار يجعلون العين الساكنة نوناً إذا جاوَرت الطاءَ كأنْطى في أعطى.

والوَتم في لغة اليمن يَجْعَل الكاف شيناً مطلقاً كلبيشَ اللهم لبيشَ.

ومن العرب من يجعل الكافَ جيماً كالجعْبة يريد الكعبة.

واللخْلَخانِيَّة في لغة أعراب الشِّحْرِ وعُمان كقولهم مَشا الله أَي ما شاء الله.

والطُّمطُمانِيَّة تَعْرِض في لغة حِمْير كقولهم طابَ امْهَواء أَي طاب الهواء.

ونقل ابن فارس في فقه اللغة (1/8) عن ابن دريد:

فأما بنو تميم فإنهم يُلحقون القاف باللَّهاة حَتَّى تَغْلظ جداً فيقولون: " القوم " فيكون بَيْنَ الكاف والقاف، وهذه لغة فيهم.

قال الشاعر:

ولا أكُولُ لِكدرِ الكَوم قَدْ نضجت ... ولا أكولُ لبابِ الدَّار مَكْفولُ

 

وكذلك الياء تجعل جيماً فِي النَّسب. يقولون: " غُلامِجْ " أي " غلامي " .

 

جمجمة المجرم أم جمجمة البطل ؟

جمجمة المجرم أم جمجمة البطل ؟

(قصة سليمان الحلبي)
*******************************************
بإحدى قاعات متحف انفاليد (الشهداء) في باريس خُصص رفان ، على كل رف وُضعت عليه جمجمة . الفرق بين الجمجمتين أن بالقرب من احدى الجمجمتين كُتب : (جمجمة البطل) وبالقرب من الجمجمة الأخرى كُتب : (جمجمة المجرم) .
والسؤال هو من أصحاب هذه الجماجم ، ومن هو البطل الحقيقي؟

الحملة الفرنسية على مصر
********************
تمكنت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت من احتلال مصر عام 1798م، وذلك بعد قيام الثورة الفرنسية بعشر سنوات، وعملت الحملة الفرنسية على إهانة الشعب المصري وإذلالاه، بعد أن رأوا منه المقاومة التي كان يحركها علماء الأزهر، فعملت الحملة الفرنسية على وأد هذه الثورات، وكان نابليون قد عهد إلى كليبر بقيادة الحملة بعد أن غادرها إلى فرنسا، فقتل من علماء الأزهر الكثير، ودخل الأزهر بخيله وضربه بالمدافع؛ مما كان له الأثر الكبير في إنشاء خلايا سرية تقاوم المحتل الفرنسي، وكانت هذه الخلايا بداية النهاية، حيث استطاع أحد أفراد هذه الخلايا قتل كليبر قائد الحملة؛ مما ألقى الرعب في قلوبهم، وكان لذلك أثرٌ في خروجهم من مصر.

سليمان الحلبي
************
الشباب المسلم كانوا يتوافدون من انحاء العالم الاسلامي لتلقي العلم في الأزهر الشريف. ومن ضمن طلاب الأزهر كان شاب من بلاد الشام اسمه سليمان الحلبي.
ولد سليمان الحلبي عام 1777م في قرية عفرين في الشمال الغربي من مدينة حلب، من أب مسلم متدين اسمه محمد أمين. عاش سليمان الحلبي في بلده إلى أن تم العشرين من عمره، حيث أرسله والده بعد ذلك إلى الأزهر لينهل من علومه، فرحل إلى القاهرة لينخرط في رواق الشوم المكان الذي خصص لطلبة الأزهر من أبناء الشام، وانتظم في سلك الدراسة وتتلمذ على يد الشيخ أحمد الشرقاوي الذي علمه وغرس فيه معنى العزة والكرامة بأفعاله، والتي تتمثل في إشعال الثورات ضد الحملة الفرنسية . وزادت صلته بهذا الشيخ حتى إنه كان يبيت في بيته، وكان سليمان الحلبي بجانب شيخه حين اقتحم جيش نابليون أرض الجيزة، ثم أرض المحروسة القاهرة حيث راح الغزاة ينكلون الشعب المصري أشد تنكيل .
واستطاع الفرنسيون إجهاض الثورة المصرية الأولى بعد القبض على شيوخ الأزهر وإعدامهم، فاختفى البعض عن أعين الفرنسيين وهرب البعض وكان فيمن هرب سليمان الحلبي الذي خرج متوجهًا إلى الشام بعد أن أقام في القاهرة ثلاثة سنوات، وكان سليمان الحلبي وقتئذ قد انضم إلى خلايا سرية تعمل على جهاد الفرنسيين. وبعدها أرسلة الوالي أحمد آغا لقتل كليبر قائد الحملة الفرنسية.
توجه سليمان الحلبي الى غزة أولاً حيث التقى ياسين آغا حيث وعده أن يجعل نظره عليه في كل ما يلزمه إن استطاع ذلك، وأعطاه 40 قرشًا لمصروف السفر، وأوصوه أن يسكن جامع الأزهر، وألاّ يخبر أحدًا عن مهمته.
عند وصوله القاهرة انضم إلى مجموعة من الشوام المقيمين في (رواق الشوام) كطلبة في الأزهر، وقد كانوا أربعة فتيان من مقرئي القرآن من الفلسطينيين أبناء غزة، هم: محمد وعبد الله وسعيد عبد القادر الغزي، وأحمد الوالي. وقد ابلغهم سليمان بعزمه على قتل الجنرال كليبر، وبأنه نذر حياته للجهاد الإسلامي في سبيل تحرير مصر من الغزاة.
وفي صباح يوم 15 يونيو 1800م توجه إلى (بركة الأزبكية) حيث كان الجنرال كليبر يقيم في قصر (محمد بك الألفي) الذي كان قد اغتصبه من قبل بونابرت . ما إن فرغ كليبر من تناول الغداء في قصر مجاور لسكنه (ساري عسكر داماس)، حتى دخل سليمان حديقة قصر محمد الألفي بك ، وقد تمكن سليمان من أن يطعن كليبر بنصلة السكين التي اشتراها من غزة أربع طعنات قاتلة. كذلك تمكن من طعن كبير المهندسين قسطنطين بروتاين ست طعنات غير قاتلة. وقد تمكن اثنان من العساكر الفرنسيين من إلقاء القبض عليه في الحديقة، ومن العثور على السكين التي نفذ بها (مهمة القتل).

اعدام سليمان الحلبي
*****************
حوكم سليمان بعد حرق يده اليمنى خلال التحقيق معه حتى عظم الرسغ، لكنه أنكر صلته بالشيخ الشرقاوي، وبحركة المقاومة الشعبية الإسلامية المصرية المختلطة (المصرية - العربية الحجازية - المملوكية - التركية العثمانية - الشامية). وبما أن رفاقه المقيمين معه في رواق الشوام في الأزهر كانوا أربعة جميعهم من غزة، وليس فيهم مصري واحد، بل وبما أنه لم تكن لهؤلاء الأربعة الفلسطينيين أية صلة بعملية القتل، فقد اعترف سليمان بأنه كان مقيمًا معهم مدة 34 يومًا قبل إقدامه على تنفيذ (مهمة القتل)، وبأنه أسرَّ إليهم بعزمه على قتل الجنرال كليبر من منطلق جهادي نضالي صرف، لكنهم لم يأخذوا كلامه على محمل الجد. وبذلك أدانتهم المحكمة بالتستر على (الجريمة) قبل وقوعها، وحكمت على سليمان بالإعدام بالخازوق، وعلى أحمد الوالي ومحمد وعبد اللّه الغزي (سعيد عبد القادر الغزي كان هاربًا) بالإعدام، وفصل رءوسهم عن أجسادهم، على أن يتم قطع رءوسهم أمام سليمان قبل إعدامه بالخازوق.
وفي الساعة 11.30 من يوم 28/ 06/ 1800م، نفذ حكم الإعدام بالفلسطينيين الثلاثة أمام عيني سليمان، ثم حرقت أجسادهم حتى التفحم، ومن ثم اعدام سليمان الحلبي بالخازوق .
تم تشييع كليبر في احتفاء رسمي ضخم، وقد كان جثمانه موضوعًا في تابوت من الرصاص ملفوفًا بالعلم الفرنسي، وفوق العلم سكين سليمان الحلبي المشتراة من غزة. دُفن جثمان الجنرال كليبر في موضع من القاهرة قريب من (قصر العيني).
هذا وكان قتل كليبر عاملاً أساسيًّا في فشل الحملة الفرنسية الغازية، فتجرأ الناس عليها، وألجأتها الظروف إلى الخروج من مصر مدحورة مهزومة، واحتفل الأزهر بهذا النصر المبين، وفتحت أبوابه التي كانت مغلقة، وفرح الناس فرحًا عظيمًا بزوال الغمة، وتذكر المؤمنون سليمان الحلبي المجاهد، ونسيه الجاحدون، وحسبنا أن الله يعلمه.

وقد حمل الجنرال مينو معه إلى باريس، عظام الجنرال كليبر في صندوق، وعظام سليمان الحلبي في صندوق آخر، وعند إنشاء متحف (انفاليد - الشهداء) بالقرب من (متحف اللوفر) في باريس، خصص في إحدى قاعات المتحف اثنان من الرفوف: رف أعلى وضعت عليه جمجمة الجنرال كليبر، وإلى جانبها لوحة صغيرة مكتوب عليها: (جمجمة البطل) الجنرال كليبر، ورف أدنى تحته وضعت عليه جمجمة سليمان الحلبي، وإلى جانبها لوحة صغيرة مكتوب عليها: (جمجمة المجرم) سليمان الحلبي. والجمجمتان لا تزالان معروضتين في متحف (انفاليد) حتى اليوم.

تتأكد حقيقة أن سليمان الحلبي كان بطلاً حقيقيًّا، وفتى من شهداء الإسلام والعروبة والحرية، وأنه جدير بالتخليد اسمًا وكفاحًا وبطولةً.
هذه هي قصة سليمان الحلبي ، المجاهد المسلم، والذي وهب حياته لحرية مصر وكبريائها المثلوم.
والآن هل عرفتم من هو البطل الحقيقي ومن هو المحتل المجرم ؟!

المصدر : موقع قصة الإسـﻻم

البـــاب

 

 

 


البـــاب ..

كانت الساعة تدق الواحدة، والليل عميق مفروش أمامي كلوحة غير محدودة .. أرسم فوقها ثم أمحو .. ثم أرسم .. وأعبَث .

وكان في يدي ذلك القفل السحري .. أحاول أن أعثر على الأرقام التي تفتحه.
إنه قفل معلق على بوابة كل قلب يفتحه مفتاح واحد .. إسمه الحب .
وكنت أبحث هذه الليلة عن حقيقة الحب . تلك الحقيقة البسيطة التي تلتقطها حواسنا قبل أن تدركها عقولنا .. كنت أحاول في هذه المرة أن أدرك الحب قبل أن يدركني .

إن الحب في مجتمعنا عاطفة معقدة .. لأن مجتمعنا نفسه معقد .. كل شيء في مجتمعنا العصري صناعي حتى الكلام أسلوب صناعي للتعبير ، نصفه يضيع في التكلف والمجاملات .. ونصفه الآخر يضيع في الخوف والخجل .. وإذا تبقى شيء فهو يخرج من الفم وقد تحوّل إلى كذبة .

وحياتنا صناعية .. الطعام والشراب والمواصلات والمراسلات .. كل جزء من حياتنا تصنعه شركة أو يقوم على تركيبه مصنع ، والإنسان في داخل هذه الآلة الجهنمية فاقد لوعيه .. فاقد لفطرته البيضاء النظيفة ..

لقد شوهته المداخن بالهباب، ومسَخه صراع الطبقات وأحرقه النهش والتكالب الفردي على الأرباح والمغانم .. والنتيجة أن علاقاتنا ليست طبيعية ، حبنا ليس طبيعيًا ، وكراهيتنا ليست طبيعية . هناك مَسخ لكل عواطفنا .. مسخ يحدث في داخلنا دون أن ندري .

إن ما نسميه حبًا هو في أغلبه شطارة .. في اغلبه تاكتيك وتخطيط وتدبير وفهلوة ومعركة حامية بين أدمغة عكرة أنانية لا بين قلوب صافية ..

الحب عملية تركيبية مفتعلة نؤلفها بمؤثرات خارجية، بخلط الميول ومزجها وإهاجتها .. وليست عملية طبيعية تنشأ من داخلنا .
حتى لذة الجنس أصبحت بتأثير الشطارة مثل لذة العجلاتي الذي يركب البسكليتة ليقوم بحركات بهلوانية .. لقد خلَت هي الأخرى من الإنسجام الفطري البسيط .

لا يمكن أن نسمي هذا الذي نمارسه في الشوارع والحدائق ونوافذ البيوت والصالونات والتليفونات حبًا .. إنه مباريات شطرنج ، واستعراض مواهب وعضلات .. إنه نوع غريب من التمتع ، يتمتع فيه كل فرد بنفسه .. بقوته .. وسطوته .. وقدراته .
وهو تمتع حقير أناني ينتحل صفة الحب ، ويكذب .. ويكذب بصفاقة وتبجح .

والحب أحيانًا يعبر عن عقد نفسية فينا لا علاقة لها بمن نحبهم بالمرة ..

قد يعبر عن مركب نقص .. أو عن مركب العظمة .. أو الخضوع .. أو السادية .. أو حالات من الشبق الجنسي المريض .. أو الهستيريا .. أو الهروب .
قد يختار الواحد منا امرأة قبيحة كسيحة لتكون موضوع حبه : لأنه يشعر أنه ناقص.
وقد يستخدم الواحد منا غرامياته معرضًا يعرض فيه قدراته وتفوقه لأنه مصاب بهوس العظمة ..
وقد يلجأ المحب إلى تعذيب حبيبته إذا كان ساديًا .. أو قد يخضع لها ويجد لذة في تقبيل حذائها إذا كان ماسوشيًا ..
وقد يكون حبه هستيريًا يتوقف فيه القلب ويشل الوجدان ، تمامًا مثل الهستيريا العضوية التي تصيب الأطراف بالشلل الوهمي فيقول الواحد منا :
-أنا أحب هذه المرأة ، أنا أعبدها ، أنا تعيس ، أنا عاجز عن التفكير في أي شيء سواها .. والواقع أنه لا يحبها ، وأن أعماقه خالية من التفكير فيها بالمرة .. وإنما هو واهِم .
وقد يكون حبنا هروبًا ، قد يكون هروبًا من لامذاكرة ، أو من وطأة الحياة اليومية ، أو هروبًا من أنفسنا .

وفي كل هذه الحالات لا يكون حبنا حبًا .. وإنما يكون عاطفة عليها هباب ثقيل من صراع الأفراد والطبقات ، وإفراز لعقد نفسية تنضج بالمُر والعلقم والصديد .
إنك تشاهد حالات غريبة من الحب .. في البيوت ، وفي أماكن العمل ، وفي المدارس .. أغرب من الروايات التي تعرضها السينما ..

تشاهد المرأة التي تجري خلف الرجل وتلهث وراءه تغريه وتتوسل إليه وتقبل يديه وتبكي وتستعطف ، وتصاب بالإغماء ، وتفقد وعيها على صدره ، وتظل تطارده حتى يستسلم ويصدق ويحبها ويتزوجها .. فماذا تكون النتيجة !!..
تبدأ في تعذيبه ، وكيّه ، ولسعه ، وكهربة أعصابه ، والمشي فوق مخه بالليل والنهار .. وهي في نفس الوقت تمشي على أعصابها هي الأخرى وعلى قلبها وعلى عواطفها التي أرهقتها لمدة سنين في البكاء خلفه .

ما السبب ؟ .. ما السر في سكبها الدموع على شيء لا تحس به ؟ .. ما السر في جريها وراء شيء لا تحرص عليه ؟ ..

إنها تبعثر حياتها ووقتها وشبابها وتخسر على طول الخط .

هل يكون هذا حبًا ؟! .. لا .. إنه جنون ، هوس ، إنها لوثة الحرية المخربة التي تصيب هذا الجيل .. إنه لا يعرف ماذا يفعل بنفسه .. لقد وجد يديه خاليتين من القيد لأول مرة فبدأ يهبش ويهبش .. بدون فكرة واضحة في ذهنه .

وأنت تعثر على نوع آخر من الهوس .. على الرجل الصلب والمرأة الصلبة ..
الرجل المتأبي المتعفف المتمنع الذي يغلي في داخله ولا ينطق ، ولا يفصح عن شيء مما يعتمل بقلبه ..
وقد تجد اثنين من هذا النوع يتحابان من الداخل دون أن يتبادلا كلمة أو نظرة صريحة أو لقاءً .. وإذا تكلما فهما يطرقان كل الموضوعات إلا الموضوع الذي يشغلها ..
ومثل هذا الحب الذي يولد مخنوقًا .. يموت غريقًا في النهاية . غريق الواقع والضرورات وينتهي أمر الإثنين إلى زواج تقليدي عن طريق الخاطبة أو الأم أو الأب .. ويفشل الزواج كما فشل الحب ، وينتحر الكبرياء على مذبح الغباء والجهل ..
هل يكون هذا حبًا ؟!.. لا .. إنه مزيج من عدم الثقة ، والحب ، والخوف ، والتردد ، وميراث عتيق من التقاليد الميتة . إنها عفة ضالة ملعونة مثل الحرية العابثة تمامًا .. ونهاية الإثنين الضياع في سلة مهملات واحدة .

وهناك نوع ثالث يفشل في الحب .. ويعي هذا الفشل أو لا يعيه .. فيهرب منه بالإغراق في لذات جنسية حادة متعددة ، ولا يكف عن التهافت حتى يدركه التعب والإغماء ..
وعمر هذا النوع محدود بفترة الشباب القصيرة ، وبعمر الجمال الوردي .. فإذا بدأ الورد يذبل بدأت النهاية .. وهي دائمًا بشعة تستدر الشفقة .

وهكذا تتعاقب أشكال الحب في مجتمعنا .. في حلقات كحلقات الملاكمة ، وكباريهات آخر الليل .
وقد تجد بينها قبة شيخ وضع قلبه في ضريح وأغلق عليه .. أو صومعة راهبة تصوم سبعة أيام كل أسبوع ..

وقد تتعب قدماك في البحث عن حب واحد حقيقي فلا تجده .. وإذا وجدته تجد عليه شوهة أو أثر حرق أو بقية من التهاب قديم .

وتمضي تتساءل بعد أن تكون قد كشفت السر .. وعرفت سر التشويه في الداء الذي يكمن في مجتمعنا وصراعه وفرديته ، تمضي تتساءل بعد هذا ..
وما هو الحب الصحيح ؟؟.. ما هي حقيقة الحب ؟؟..
وهذا يعود بي إلى القفل السحري الذي أعبث به في يدي باحثًا عن مفتاحه في ظلمة الليل ..

من كتاب : الأحلام

أشواق العارفين


تحدث الحسن البصري - في أحد دروسه بعد صلاة المغرب - عن الزاهدة (رابعة العدوية) فقال :

إن الذى حيّرني أنها تنظم الشعر الرائع فيمحبة الله وهي لم تتثقف ببيان , ولم ترد طرفاً من القصائد عن الكبار من أعيان البلاغة , فكيف انهلَّ عليها هذا الطوفان ! وكيف استطاعت أن تقول في مناجاة مولاها العظيم :

أحبك حبين حب الهوى ..وحب لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى .. فشغلي بذكرك عمّن سواكا
وأما الذي أنت أهل له .. فكشفك لي الحجب حتى أراكا
فما الحمد في ذا ولا ذاك لي .. ولكن لك الحمد في ذا وذاكا


( من كتاب أشواق العارفين . للدكتور محمد رجب البيومي )