أنزلوا الناس منازلهم

روى الحافظ ابن عساكر من طريق أبي زكريا الرملي ، ثنا يزيد بن هارون ، عن نوح بن قيس ، عن سلامة الكندي ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن علي رضي الله عنه أنه جاءه رجل فقال :

 يا أمير المؤمنين ، إن لي إليك حاجة قد رفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك ، فإن أنت قضيتها حمدت الله وشكرتك ، وإن أنت لم تقضها حمدت الله وعذرتك .

فقال علي :

اكتب على الأرض ، فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك .

فكتب :

إني محتاج .

فقال علي :

عليَّ بحلة .

فأتي بها ، فأخذها الرجل فلبسها ، ثم أنشأ يقول :

كسوتني حلة تبلى محاسنها    

فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا

إن نلت حسن ثنائي نلت مكرمة    

ولست تبغي بما قد قلته بدلا

إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه    

كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا

لا تزهد الدهر في خير تواقعه    

فكل عبد سيجزى بالذي عملا

فقال علي :

عليَّ بالدنانير .

فأتي بمائة دينار ، فدفعها إليه .

قال الأصبغ :

فقلت :

 يا أمير المؤمنين ، حلة ومائة دينار ؟

قال :

نعم . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أنزلوا الناس منازلهم " .

وهذه منزلة هذا الرجل عندي

السمر مع الأهل وحديث أم زرع


ما جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السمر


 السمر مع الأهل

وحديث أم زرع


السمر : هو السهر بعد هدأة الليل ، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن السمر بعد هدأة الليل ،واستثنى من ذلك سمر الرجل مع زوجه .


حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ.

- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : جَلَسَتْ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لاَ يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا : فَقَالَتِ الْأُولَى : زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَعْرٍ ، لاَ سَهْلٌ فَيُرْتَقَى ، وَلاَ سَمِينٌ فَيُنْتَقَلُ . قَالَتِ الثَّانِيَةُ : زَوْجِي لاَ أَبُثُّ خَبَرَهُ ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ لاَ أَذَرَهُ ، إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ    

عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ . قَالَتِ الثَّالِثَةُ : زَوْجِي الْعَشَنَّقُ ، إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ . قَالَتِ الرَّابِعَةُ : زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ ، لاَ حَرٌّ وَلاَ قُرٌّ ، وَلاَ مَخَافَةَ وَلاَ سَآمَةَ . قَالَتِ الْخَامِسَةُ : زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ ، وَلاَ يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ . قَالَتِ السَّادِسَةُ : زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ ، وَلاَ يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ . قَالَتِ السَّابِعَةُ : زَوْجِي عَيَايَاءُ أَوْ غَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ ، شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ . قَالَتِ الثَّامِنَةُ : زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ . قَالَتِ التَّاسِعَةُ : زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ طَوِيلُ النِّجَادِ عَظِيمُ الرَّمَادِ قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِ . قَالَتِ الْعَاشِرَةُ : زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ ، قَلِيلاَتُ الْمَسَارِحِ ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ . قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ وَمَا أَبُو زَرْعٍ ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ ، وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ ، وَبَجَّحَنِي فَبَجَحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي ، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلاَ أُقَبَّحُ ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ وَأَشْرَبُ فَأَتَقَمَّحُ ، أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ ، عُكُومُهَا رَدَاحٌ ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ ، ابْنُ أَبِي زَرْعٍ ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ ، مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ ، وَتُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ    

 بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ ، فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ ، طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا ، مِلْءُ كِسَائِهَا ، وَغَيْظُ جَارَتِهَا ، جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ ، لاَ تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا ، وَلاَ تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا ، وَلاَ تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا ، قَالَتْ : خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ ، يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ ، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا ، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلاً سَرِيًّا ، رَكِبَ شَرِيًّا ، وَأَخَذَ خَطِّيًّا ، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا ، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا ، وَقَالَ : كُلِي أُمَّ زَرْعٍ ، وَمِيرِي أَهْلَكِ ، فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ ، مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ. " أخرجه البخاري 5189 ، ومسلم 2448 "

- هذا الحديث مشهور عند أهل العلم بحديث أم زرع ، ومن أهل العلم من أفرده بمصنف خاص لكثرة فوائده كالقاضي عياض رحمه الله في كتابه " بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد " ، ومنهم من شرحه ضمنا مستوفيا فيه الكلام كالحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه : " فتح الباري " 9/ 257

وهذا الخبر الطويل الذي ذكرته عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء النسوة في نبأ كل واحدة منهن مع زوجها ، والنبي صلى الله عليه وسلم يستمع إليها مؤانسة لها ، وحسن معاشرة ، فيه أن إحدى عشرة امرأة اجتمعن في مجلس واحد ، وتعاهدن الا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا ، سواء ما كان من ذلك مدحا أو قدحا ، فمنهم من ذكرت    

زوجه بمدح ، ومنهم من ذكرته بقدح ، ومنهن من ذكرته بهما معا .

- " فقالت الأولى : زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعر ، لا سهل فيرتقي ، ولا سمين فينتقل " ، شبهت زوجها بهذا التشبيه مبينة أنه كان معها قليل الإفادة والإحسان ، فشبهته بلحم الجمل ؛ لأنه أغلظ من لحم الضأن ونحوه ، وهو مع ذلك غث ، أي هزيل لا يستساغ من هزاله ، وهذا اللحم أيضا على رأس جبل وعر ، ليس بسهل فيرتقي ـ أي الجبل ـ ولا سمين فينتقل ـ أي اللحم ـ ، ولو كان سمينا نفيسا طيبا فمن الممكن أن تتكبد مشقة الصعود إليه ، تشير بذلك إلى قلة إحسانه إليها ، ووعورة أخلاقه ، وتعامله معها ، وفظاظته وغلظته .

- " قالت الثانية : زوجي لا أبث خبره ، إني أخاف أن لا أذره ، إن أذكره أذكر عجره وبجره " ، هذه الثانية ، تصف زوجها بأنه كثير المعايب ، ولو أنها فتحت الباب للحديث عن معايبه لكان الحديث طويلا ، ولهذا قالت : " إني أخاف أن لا أذره ، إن أذكره أذكر عجره وبجره " أي : لو أني فتحت هذا الباب ، وحدثتكن بعجره لطال الحديث ، فاكتفت بهذا الإجمال .

- قالت الثالثة : زوجي العشيق " : الطويل طولا مذموما ، فهو على غير عقل ، وعلى غير رزانة ، " إن أنطق أطلق " إن أنطق بشئ من أخباره وتصرفاته أطلق ، " وإن أسكت أعلق " أي : وإن اسكت أسكت على مضض وعلى قهر ، وأكون عنده مثل المعلقة التي لم يطلقها زوجها فتنكح زوجا غيره ، ولا هو الذي أبقاها عنده بحقوقها الزوجية .

- قالت الرابعة : زوجي كليل تهامة " ، وتهامة : هي المنطقة المنخفضة بين البحر    

الأحمر وجبال الحجاز واليمن ، تشبه زوجها بليل تهامة ، فما صفة ليل تهامة ؟ قالت " لا حر ولا قر " أي : ليس بالحار ، ولا بالبارد ، وإنما هو معتدل ، فكذلك زوجها ، فهو معتدل في تصرفاته ومعاملاته معها ، " ولا مخافة " أي : ليس عندي من جهته مخاوف ؛ فلا أتخوف من شئ منه ، " ولا سآمة " السآمة هي الملل ، أي : لا يحصل لي ملل عنده بسبب اعتداله .

- قالت الخامسة : زوجي إن دخل فهد ، وإن خرج أسد ، ولا يسأل عما عهد " ، وصفت زوجها بأنه يدخل بيته دخول الفهد ؛ الحيوان المعروف ، ويخرج خروج الأسد .

من الشرح من اعتبر هذا الوصف مدحا وثناء ؛ فكأنها تمثل زوجها عند دخوله للبيت بالفهد من حيث التكرم والإحسان وحسن المعاشرة ، وعند خروجه بالأسد من حيث الشجاعة ، ولا يسأل عما عهد لكثرة مسامحته ، وعلى هذا أكثر الشراح .

ومنهم من اعتبر بعضه مدحا وبعضه ذما ؛ فهو يشبه الأسد في الشجاعة إذا خرج ، فهو مدح ، ويشبه الفهد إذا دخل ، فهو ذم ، قالوا : الفهد إذا أوى إلى كهفه فليس عنده إلا النوم ، وكونه لا يتفقد بيته ليعرف نواقصه وحاجاته يعتبر ذما آخر .

- قالت السادسة : زوجي إن أكل لف " ، هذه تذم زوجها بأنه إذا دخل بيته فليس له هم إلا بطنه ، فلذا " إن أكل لف " أي : إذا جلس للأكل يلف الذي أمامه من الطعام ويستقصيه ، " وإن شرب اشتف " أي : إذا شرب لا يبقي شيئا من الشراب بل يستقصيه ، " وإن اضطجع التف " أي : إن اضطجع لينام التف بلحاف وحده في زاوية من البيت ، ولا يسأل عن أهله ، " ولا يولج الكف ليعلم البث " أي : أنه لا يتفقد    

زوجه ، ولا يؤانسها ، ولا يداعبها ليعلم ما في نفسها من أحزان وهموم .

- قالت السابعة : زوجي عياياء " ، من العي ، وهو الانهماك في الشر ، " أو غياياء " ، من الغي ، وهو الذي لا يهتدي ، " طباقاء " أي : أحمق حمقا مطبقا ، " كل داء له داء " أي : لا يخطر ببالكن من داء ، ومذمة ، وعيب في الرجال إلا وهو صفة لزوجي ، " شجك " الشج : هو الإصابة بالرأس ، " أو فلك " الفل : هو الإصابة في الجسد ، تصفه بأنه في تعامله معها يضربها بقسوة ، فمرة يشج رأسها ، ومرة يدمي جسمها ، " أو جمع كلا لك " ومرة يجمع الأمرين : الشج والفل .

- " قالت الثامنة : زوجي المس مس أرنب " تعني : أن جسمه لطيف ، وهو دائما نظيف ، " والريح ريح زرنب " الزرنب : نوع من النبت طيب الرائحة ، تعني بأنه طيب الرائحة ، وهذه لم تذكر في زوجها إلا مدحا ، وهذا المدح يتضمن حسن المعاشرة ، وحسن الأخلاق .

- قالت التاسعة : زوجي رفيع العماد " العماد : هو العمود الذي تقوم عليه الخيمة ، فإذا كان العمود رفيعا عاليا ؛ فهو دليل على سعة الخيمة وكبرها ، فهي تشير إلى أن زوجها مضياف ، فقد وسع بيته لاستقبال الضيوف ، " طويل النجاد " النجاد : هو الذي يكون فيه السيف ، فإذا كان طويلا ؛ فهو دليل على طول الرجل ؛ لأن القصير لا يحمل سيفا طويلا ، وهذا الوصف قد يدل على الشجاعة أيضا ، " عظيم الرماد " الرماد : هو الناشئ عن النار التي توقد باستمرار في البيت إكراما للضيف ، فتصف زوجها بالكرم ، وأن النار توقد في البيت باستمرار لعدم انقطاع الأضياف ، " قريب البيت من الناد " أي : وضع بيته في مكان قريب من مجلس القوم وناديهم ،   

حتى يراه كل وافد ، وكل هذه الأوصاف مدح لهذا الزوج .

- " قالت العاشرة : زوجي مالك " أي : عنده شئ عظيم يملكه ، " وما مالك " أي : ما الذي يملكه ؟ " مالك ، خير من ذلك " خير مما يجول في أذهانكن ، أو ملكه خير مما ذكرت المرأة التاسعة عن زوجها ، أو ملكه خير مما أصفه لكن الآن ، كأنها تشير إلى أن له خيرات كثيرة ،وأنها ستقتصر على ذكر بعضها :

- " له إبل كثيرات المبارك ، قليلات المسارح " المسارح : المكان الذي تذهب إليه الإبل لترعى ، ووصفها للإبل بأنها قليلة المسارح إشارة إلى أن الرجل كثير الأضياف ، فلذلك يستبقي من الإبل في المبارك حتى ينتقي منها ما طاب ليذبحه إكراما لأضيافه ، " إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك " المزهر : آلة من آلات اللهو ، ربما كانت تستعمل عند هذا الرجل عند مجئ الأضياف ، والمعنى أن هذه الإبل إذا سمعت صوت هذه الآلة تأكدت أنه سيذبح منها عدد إكراما للأضياف .

- " قالت الحادية عشرة : زوجي أبو زرع " ، ذكرته بكنيته ـ أبي زرع ـ إشارة إلى مكارم الرجل ، وفضائله المتعددة التي ستذكر بعضها ، " وما أبو زرع " جاءت بهذا الأسلوب تمهيدا لما ستقوله عنه ، " أناس من حلي أذني " ، أناس من النوس ، وهو حركة كل شئ متدل ، يقال : أناس إذا حرك ، تعني أنه قدم لها من الحلي ما تضعه في أذنيها ، وفي هذا إشارة إلى أنواع الحلي التي يغدق عليها من كرمه ، " وملأ من شحم عضدي " أي : أنه كان يكرمها بالطعام والغذاء ، حتى أن جسمها أصبح صحيحا متغذيا ، وخصت العضد بالذكر ؛ لأنه أول ما يقع عليه النظر ، فإذا كان العضد سمينا فهو دليل على الجسم كذلك ، " وبجحني فبجحت إلي نفسي " أي : فرحني ،    

ووسع علي ، وأترفني في البيت ، " وجدني في أهل غنيمة بشق " تعني : أنه وجدها في أهلها وليس عندهم إلا اليسير من الغنم بل هم في جهد وتعب ، " فجعلني في أهل صهيل " فنقلني من هذه الحال حتى أصبحت من أهل خيل ، " وأطيط " هن المراحل التي تكون على الإبل ، وهو دليل على كثرة الخيرات التي تحمل عليها ، " ودائس " أي : عنده من يحصد الزرع من القمح ، والذرة ، والشعير ، ونحو ذلك ، " ومنق " وعنده أيضا من ينقي الحبوب ، فهو عنده خدم وعمال ، " فعنده أقول فلا أقبح " أي : لي مكانة ومنزلة , لذلك أتكلم فلا يهينني أحد أو يسئ إلى ، " وأرقد فأتصبح " أي : أنام وأتصبح في أمور طيبة , " وأشرب فأنقمح " أي : أشرب ما شئت من الشراب حتى ارتوى .

- قولها : " أم أبي زرع ، فما أم أبي زرع ؛ عكومها رداح " أي : أحمالها وأعدالها التي تجعل فيها الأمتعة واسعة ، فهو دليل لكثرة متاعها ، " وبيتها فساح " أي : بيتها واسع .

- قولها : " ابن أبي زرع ، فما ابن أبي زرع ؛ مضجعه كمسل شطبة " الشطبة : ما شطب من الجريد وهو سعفه ، تعني : أن مضجعه الذي ينام فيه في الصغر كقدر مسل شطبة واحدة ، " وتشبعه ذراع الجفرة " الجفرة : وهي الأنثى من أولاد المعز ، تعني : أنه قليل الأكل

والعرب تمدح به .

- قولها : " بنت أبي زرع ، فما بنت أبي زرع ؛ طوع أبيها وطوع أمها " أي : هي بنت مطاوعة ، أخلاقها طيبة وجميلة ، تطيع أباها وأمها ، " ملء كسائها " أي : ليست هزيلة ، فلذلك تملأ لباسها لكونها منعمة ، " وغيظ جارتها " لما هي عليه من خير ونعمة .

- قولها : " جارية أبي زرع ، فما جارية أبي زرع ؛ لا تبث حديثنا تبثيثا " أي : خادمته جميدة الصفات طيبة الأخلاق ، لا تنشر أخبار البيت ولا أسراره ، " ولا   

تنقث ميرتنا تنقيثا " ، لا تفتش متاعنا وحاجياتنا ، ولا تأخذ منها شيئا ، " ولا نملأ بيتنا تعشيشا " أي : أنها معتنية عناية فائقة بنظافة البيت وترتيبه .

- " قالت : خرج أبوزرع والأوطاب تمخض " أي : خرج أبو زرع في يوم من الأيام في وقت يكثر فيه اللبن في ضروع الماشية ، " فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين " ، لقي امرأة جسمها ممتلئ ، ولها طفلان تحت خصرها ؛ يلعبان برمانتين ففتنته المرأة ، وتعلق بها قلبه ، " فطلقني ونكحها " أي : بعد ما كنت أعيش في هذه النعم طلقني لما فتن بتلك المرأة ونكحها .

  كانت أم زرع محبة له ، ولهذا ـ مع أنها مطلقة ـ لم تذكر عنه إلا الأوصاف الجميلة ، وربما نسيت كثير من المطلقات الأوصاف الجميلة لزوجها ؛ فلا تذكر إلا الجانب السيئ .

- قولها : " فنكحت بعده رجلا سريا " أي : شريفا ، " ركب شريا " أي : فرسا عظيما ، " وأخذ خطيا " أي : رمحا فهو صاحب شجاعة ، ومقاتلة ، ومجابهة ، " وأراح علي تعما ثريا " أي : أكرمني بحمر النعم ، " وأعطاني من كل رائحة زوجا " تعني : أنه أكرمها ، وأحسن إليها ؛ فلم يقصر معها في شئ ، " وقال : كلي أم زرع " أي : كلي ما شئت من الطعام ، " وميري أهلك " أي : أعطي أيضا أهلك ، فهذا يدل على أنه كريم معها ، ومحسن إليها ، وإلى أهلها ، " فلو جمعت كل شئ أعطانيه ، ما بلغ أصغر آنية أبي زرع " ، لو جمعت كل ما أعطانيه هذا الزوج الثاني من الأشياء لم يبلغ أقل ما نلته من أبي زرع ، فهذا ثناء منها بالغ على أبي زرع ، ومدح عظيم له .

- " قالت عائشة : فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " كنت لك كأبي زرع لأم زرع "   

يتحدث هنا صلى الله عليه وسلم عن جانب معين : وهو الحال الطيبة من الكرم والإحسان وحسن التعامل والمكانة التي كانت تجدها عنده قبل أن يطلقها ، فقال صلى الله عليه وسلم : " كنت لك كأبي زرع لأم زرع " .

والحديث أورده المصنف رحمه الله هنا لبيان مؤانسة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه ، سواء بمحادثتهن بما يؤنسهن ، أو بسماع أحاديثهن ، أو بالتعليق الجميل المفرح على حديثهن .   

 

 

ما جاء في خاتم النبوة

ما جاء في خاتم النبوة

 

هذا الباب له تعلق بصفة النبي صلى الله عليه وسلم الخَلقية ، فهو فرع عن الباب الذي قبله ؛ لأن من صفة النبي صلى الله عليه وسلم الخَلقية هذا الخاتم الذي جعله الله تعالى بين كتفيه ، وقد أتفق أهل العلم على أنه كان علما وآية على نبوته صلى الله عليه وسلم ، لكنهم اختلفوا هل ولد به صلى الله عليه وسلم أم أنه وجد بعد ذلك ؟ والأظهر الذي تسنده الروايات والأدلة أن هذا الخاتم كان مع حادثة الشق التي حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم عندما أتاه جبريل وشق صدره وغسل قلبه ، وفي تلك الحادثة كان طبع خاتم النبوة بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم .

وهذا الخاتم هو جزء ناتئ وبارز من البدن بين الكتفين ، وهو إلى الكتف الأيسر أقرب ، ويأتي ذكر حجمه في الروايات التي ساقها المصنف رحمه الله بأنه مثل حجم بيضة الحمامة ، ويشبه الجسد من حيث اللون .

وقد جاء ذكر هذا الخاتم صفة له صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة ، وكان يعرفه أهل الكتاب بما اطلعوا عليه في تلك الكتب أنه علامة لنبوته صلى الله عليه وسلم ، وسيأتي أن سلمان رضي الله عنه لما سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم جاء يطلب هذه العلامة ويتحراها حتى رآها .

16- حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ   

 الْجَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ : ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ . فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ، وَتَوَضَّأَ ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، فَإِذَا هُوَ مِثْلُ زِرِّ الْحَجَلَةِ. " الحجلة بفتحتين ، وقيل : بضم الحاء ، وقيل : بكسر الحاء وسكون الجيم فيهما . أخرجه البخاري 190 ، ومسلم 2345 ، والترمذي في جامعه 3643 . " 

- قوله : " ذهبت بي خالتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم " قال الحافظ ابن حجر : " لم أقف على اسمها " " فتح الباري 6/ 562 " .

- قولها : " يا رسول الله ! إن ابن أختي وجع " ، أي به مرض ، وجاء في بعض الروايات في صحيح البخاري 3541 أنها قالت : " يا رسول الله ! إن ابن أختي وقع " فأخذ من ذلك بعض أهل العلم أن الإصابة التي فيه كانت في قدمه ، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله : " كان يشتكي رجله كما ثبت في غير هذا الطريق " فتح الباري 6/ 562 . "

- وقوله : " فمسح رأسي " مسح رأس الصبي فيه التلطف به ، كما أن وضع اليد على المريض فيه مؤانسة له ، وإحساس ببعض ما يعانيه من حرارة الجسم وخفقان القلب ونحو ذلك ، وقوله : " ودعا لي بالبركة " المراد بالبركة حصول الخير ونماؤه وزيادته .  

وقد أجاب الله دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالبركة ، ففي بعض روايات الحديث في " صحيح البخاري " عن الجعيد بن عبد الرحمن أنه قال : " رأيت السائب بن يزيد ابن أربع وتسعين ؛ جلدا معتدلا ، فقال : قد علمت ما متعت به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خالتي ذهبت بي إليه فقالت : يا رسول الله ! إن ابن أختي شاك فادع الله ، قال : فدعا لي " أخرجه البخاري 3540 " . فجاوز عمره التسعين ولا يزال جسمه متماسكا قويا معتدلا ؛ فليس فيه حدبة أو انحناء ، ولا يزال يتمتع بسمعه وبصره ، ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، والسائب آخر من مات من الصحابة في المدينة ؛ توفى سنة إحدى وتسعين ، وهو ابن ست وتسعين سنة .

- وقوله : " وتوضأ ، فشربت من وضوئه " أي : توضأ النبي صلى الله عليه وسلم فشربت من فضل وضوئه ـ وهو ما انفصل من الماء الذي لامس جسده الشريف صلى الله عليه وسلم ، وهذا النوع من التبرك ـ التبرك بريقه صلى الله عليه وسلم وشعره وفضل وضوئه ـ حق دلت عليه الدلائل ، وجاءت نصوص كثيرة تشهد له ، وكان الصحابة رضي الله عنهم يفعلونه ، وهو ـ باتفاق أهل البصيرة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ـ من خصائصه صلى الله عليه وسلم ؛ فلا يتبرك بريق أحد غيره ، ولا بشعر أحد غيره ، ولا بعرق أحد غيره ، ولا بفضل وضوء أحد غيره ، بل هو من خصوصياته صلى الله عليه وسلم ، ولا يلحق به غيره مهما كان فضله ومكانته .

- وقوله : " وقمت خلف ظهره " ، أي : قام السائب خلف ظهر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إما أنه قصد القيام خلفه لينظر إلى الخاتم الذي ربما يكون قد سمع عنه ولم يره بعد ، أو أن قيامه كان اتفاقا فلم يقصد النظر ، لكنه لما وقف وقع نظره عليه .   

- وقوله : " فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه " هذه البينية ليست على وجه التحديد ، وإنما هي على وجه التقريب ؛ لأن الخاتم لم يكن بين الكتفين تماما ، بل هو إلى الكتف الأيسر أقرب ، كما دلت على ذلك الدلائل والشواهد ، ولعل من حكمة ذلك ـ كما ذكر بعض أهل العلم ـ أن هذا الموضع أقرب إلى موضع القلب .

- وقوله : " فإذا هو مثل زر الحجلة " ذكر المصنف رحمه الله عندما أورد هذا الحديث في كتابه الجامع 3643 أن زر الحجلة معناه بيض الحجلة الطائر المعروف ، ويعضد هذا التفسير مجئ بعض الأحاديث بتشبيهه ببيضة الحمامة كما سيأتي ، وهو مقارب لبيضة الحجلة من حيث الحجم ؛ ومن أهل العلم من قال : إن المراد بالحجلة ما يوضع على السرير مثل القبة ، وأن المراد بالزر ما يوضع في عروته مثل المقبض والممسك فهو قريب أيضا من حجم البيض المذكور .

17- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : رَأَيْتُ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُدَّةً حَمْرَاءَ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ. " في إسناده أيوب بن جابر بن صيار ؛ وهو ضعيف ، وقد خرجه الإمام مسلم في صحيحه 2344 . من طريق عبد الله ، عن إسرائيل ، عن سماك به ، ولفظه : " رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده ، ومعنى " يشبه جسده " : أي مثل لون الجسد . " 

- قوله : " رأيت الخاتم " أي : خاتم النبوة ، " بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم " وهذه البينية للتقريب لا للتحديد ، وقوله : " غدة " الغدة : عقدة في الجسد تظهر بين الجلد   

واللحم إذا غمزت باليد تحركت ، وقوله : " حمراء " أي لونها أحمر ، " مثل بيضة الحمامة " أي : من حيث الحجم .

وما يذكر في بعض الروايات أنه شامة سوداء ، أو شامة خضراء ، أو نحو ذلك ، كله لم تأت به أحاديث صحيحة ، بل الذي ثبت هو أن لونه لون الجسد ، لكنه جزء ناتئ بحجم البيضة تقريبا .

18- حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ جَدَّتِهِ رُمَيْثَةَ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أُقَبِّلَ الْخَاتَمَ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِنْ قُرْبِهِ لَفَعَلْتُ ، يَقُولُ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ يَوْمَ مَاتَ : اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ. " أخرجه أحمد في المسند 26793 " .

- قول رميثة الأنصارية رضي الله عنها : " ولو أشاء أن أقبل الخاتم الذي بين كتفيه من قربه لفعلت " جملة معترضة لتأكيد قربها من النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه توثيق وتوكيد سماعها منه صلى الله عليه وسلم لتمكنها بهذا القرب من رؤية الخاتم .

- وقولها : " يقول لسعد بن معاذ يوم مات : اهتز له عرش الرحمن " أي : اهتز لموته عرش الرحمن ، وفيه منقبة عظيمة ، ومكانة علية لهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه ؛ حيث اهتز لموته هذا المخلوق العظيم الذي هو أعظم مخلوقات الله تعالى وأكبرها وأوسعها ، وقد وصفه الله سبحانه في القرآن بالعرش العظيم ، وبالعرش الكريم ، وبالعرش المجيد ، أي الواسع ، وهو سقف المخلوقات وأعلاها وأرفعها ، ولهذا جاء  في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس ؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ؛ وفوقه عرش الرحمن " أخرجه البخاري 7423 " .

في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس ؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ؛ وفوقه عرش الرحمن " أخرجه البخاري 7423 " . ومما جاء من الأحاديث في بيان عظم العرش وكبره : ما رواه أبو ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما السموات والسبع ، والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة " كتاب العرش لابن أبي شيبة 1/ 174 " . أي أن السموات والأرضين كلها بالنسبة إلى الكرسي كقطعة صغيرة ألقيت في صحراء ، والكرسي في العرش مثل ذلك .

فهذا العرش العظيم اهتز لموت سعد ، وهذا الاهتزاز على ظاهره يمر كما جاء على قاعدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب ، بعيدا عن طرائق أهل التأويل الباطل الخائضين في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم بتعطيل نصوصه ، وصرف معانيه عن ظاهرها الحق الثابت إلى معان متكلفة ، يوردها أهل التأويل زاعمين أنها المراد بكلام الله أو بكلام رسوله صلى الله عليه وسلم .

وقد روت هذه الصحابية رضي الله عنها وغيرها هذا الحديث ، وتناقله السلف دون خوض فيما يصرف هذا النص عن ظاهره ، وهذا مما برأ الله السلف ـ الصحابة ومن اتبعهم بإحسان ـ منه ، فكان تهجم إمرار النصوص كما جاءت ، والإيمان بها كما وردت من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، فهذه قاعدة أهل السنة ، وجادتهم في هذا الباب .  

وإضافة العرش إلى الرحمن فيه تشريف للعرش ، وبيان لفضيلته ، وعظيم شأنه ، كيف لا وهو أعظم المخلوقات وأوسعها ، وأكبرها ، وقد خلقه الله تعالى وأوجده من العدم ليستوي عليه ـ جل وعلا ـ ، كما أخبر بذلك في غير موضع من كتابه ، قال ـ عز وجل ـ " الرحمن على العرش استوى " طه : 5 . وقال تعالى : " ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا " الفرقان : 59 ، ومعنى استوى عليه : علا وارتفع علوا وارتفاعا يليق بجلاله وكماله .

ومن لم يعتقد أن رب العالمين مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وكماله ؛ فليس أمامه إلا أن يعتقد إحدى عقيدتين فاسدتين :

الأولى : أن يعتقد ـ والعياذ بالله ـ أن الله في كل مكان ـ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، وهذه العقيدة من أفسد العقائد وأبطلها ، وهي مصادمة للقرآن والسنة ، والفطرة ، والإجماع ، والعقل .

الثانية : أن يعتقد ـ والعياذ بالله ـ أن الله لا فوق ولا تحت ، ولا عن يمين العالم ، ولا عن شماله ، ولا داخله ، ولا خارجه ، وهذا وصف لله تعالى بالعدم .

وعلى كل من العقيدتين فئام من المبطلة ، وحمى الله تعالى أهل الحق والبصيرة بالله وبكتابه ، وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من هذا الباطل ؛ فآمنوا بما جاء في كتاب ربهم ، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم واعتقدوا أن الله تعالى مستو على عرشه المجيد ، استواء يليق بجلاله ، وكماله وعظمته تعالى .

19- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا   

عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غُفْرَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : كَانَ عَلِيٌّ ، إِذَا وَصَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ - وَقَالَ : بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. " انظر ح 7 ؛ وقد تقدم بيان أن في الحديث علتين : إحداهما ضعف عمر بن عبد الله ، والأخرى الانقطاع بين إبراهيم وعلي رضي الله عنه . " 

- تقدم حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ذكر وصف النبي صلى الله عليه وسلم بطوله في الترجمة التي قبله بالإسناد نفسه ، وأعاده المصنف رحمه الله هنا ؛ لقوله : " بين كتفيه خاتم النبوة " .

20- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ الأَنْصَارِيُّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا زَيْدٍ ، ادْنُ مِنِّي فَامْسَحْ ظَهْرِي ، فَمَسَحْتُ ظَهْرَهُ ، فَوَقَعَتْ أَصَابِعِي عَلَى الْخَاتَمِ قُلْتُ : وَمَا الْخَاتَمُ ؟ قَالَ : شَعَرَاتٌ مُجْتَمِعَاتٌ. " أخرجه أحمد في المسند 20732 ، وفيه " فأدخلت يدي في قميصه " ، وفيه " بين كتفيه " بدل " مجتمعات " .

- قول عمرو بن أخطب الأنصار رضي الله عنه : " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي هذا الصحابي بكنيته .  

- وقوله : " ادن مني " طلب صلى الله عليه وسلم منه أن يدنو ويقترب منه ، وقوله : " فامسح ظهري " أي ضع يدك على ظهري وحركها ، وقوله : " فمسحت ظهره " أي مرر يده على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم .

- وقوله : " فوقعت أصابعي على الخاتم " أي أنه أثناء تحريكه يده على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وقعت أصابعه على الخاتم .

- وقوله : " قلت : وما الخاتم ؟ " : القائل هو علباء ـ الراوي عن عمرو ابن أخطب ـ قال عمرو رضي الله عنه : " شعرات مجتمعات " ذكر هذا باعتبار ما وقعت عليه يده والخاتم قطعة من اللحم بارزة بحجم البيضة تقريبا ، وحوله شعرات ، فوقعت يده على تلك الشعرات ، فليس الخاتم مجرد شعرات ، فلا تعارض بين هذا وبين ما سبق .

* فائدة : جاء في " المسند " للإمام أحمد رحمه الله بسند ثابت عن أبي زيد عمرو الأنصاري رضي الله عنه أنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادن مني " ، قال : فمسح بيده على رأسه ولحيته ، ثم قال : " اللهم جمله ، وأدم جماله " أخرجه أحمد في المسند 20733 " . فدعا صلى الله عليه وسلم له بهذه الدعوة المباركة , وقد بلغ رضي الله عنه بضعا ومائة سنة وما في رأسه ولحيته بياض إلا نبذ يسير ، ولقد كان منبسط الوجه ، ولم يصب بالتجاعيد التي تصيب كبار السن ، وإنما بقي وجهه على جماله حتى مات ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم .

وهذه الدعوة المباركة العظيمة متيسر الظفر بها حتى في زماننا هذا لمن يكرمه الله تعالى بالعناية بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه الشريفة ؛ حفظا ، وفهما ، وعملا ، ودعوة إليها ؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في الخيف من منَى : " نضر الله امرءا سمع مقالتي ؛   

فوعاها فأداها كما سمعها " أخرجه الترمذي في جامعه 2658 ، وابن ماجة في سنتة 230 من حديث جبير ابن مطعم رضي الله عنه " .

فهذه دعوة منه صلى الله عليه وسلم لكل من يعنى بسنته حفظا وفهما ودعوة إليها أن ينضر الله وجهه ، وهي دعوة مستمرة ، فمن أراد أن يفوز بهذه الدعوة المباركة في أي وقت ، وفي أي قرن ؛ فليعن بأحاديثه صلى الله عليه وسلم حفظا لها ، ومذاكرة لها ، وعملا بها ، ودعوة إليها ، قال سفيان بن عيينة : " ما من أحد يطلب الحديث إلا في وجهه نضرة " رواه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث 22 " .

21- حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ ، يَقُولُ : جَاءَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِمَائِدَةٍ عَلَيْهَا رُطَبٌ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا سَلْمَانُ مَا هَذَا ؟

فَقَالَ : صَدَقَةٌ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ ، فَقَالَ : ارْفَعْهَا ، فَإِنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ قَالَ : فَرَفَعَهَا ، فَجَاءَ الْغَدَ بِمِثْلِهِ ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ ؟ فَقَالَ : هَدِيَّةٌ لَكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : ابْسُطُوا.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْخَاتَمِ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَآمَنَ بِهِ وَكَانَ لِلْيَهُودِ فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يَغْرِسَ لَهُمْ نَخْلا فَيَعْمَلَ سَلْمَانُ فِيهِ حَتَّى تُطْعِمَ فَغَرَسَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّخلَ إِلا نَخْلَةً وَاحِدَةً غَرَسَهَا عُمَرُ فَحَمَلَتِ النَّخْلُ مِنْ عَامِهَا وَلَمْ تَحْمِلْ نَخْلَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا شَأْنُ هَذِهِ النَّخْلَةِ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا غَرَسْتُهَا فَنَزَعَهَا   

رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَغَرَسَهَا فَحَمَلَتْ مِنْ عَامِهَا." في إسناد المصنف رحمه الله علي بن حسين بن واقد : صدوق يهم ؛ لكن رواه أحمد في مسنده 22997 من طريق زيد بن الحباب عن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه به ، وصحح إسناده البوصيري في إتحاف الخيرة .. "

كان من خبر سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه سمع عن دنو بعثة النبي ، وسمع ببعض علامات نبوته ، وأن منها أنه يقبل الهدية ، ولا يأكل الصدقة ، وأن بين كتفيه الخاتم ، وكان يتحرى رضي الله عنه أن يلقاه ، ويتحرى مكانه ، بل كان مجيئه إلى المدينة تحريا لذلك .

- قول بريدة رضي الله عنه : " جاء سلمان الفارسي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب ، فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا سلمان ! ما هذا ؟ " ليس السؤال عن نوع الطعام الذي جاء به لأنه رطب ، وإنما السؤال عن أمر آخر فهمه سلمان ، فقال : " صدقة عليك وعلى أصحابك " . فقال صلى الله عليه وسلم " ارفعها ؛ فإنا لا نأكل الصدقة " ، فهذه العلامة الأولى ظهرت لسلمان أنه صلى الله عليه وسلم لا يأكل الصدقة ، وجاء في بعض روايات الحديث " السنن الكبرى للبيهقي 5/ 327 " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يأكلوا وأمسك هو صلى الله عليه وسلم ، وحمل أهل العلم قوله في هذه الرواية : " ارفعها " ، أي عنه هو صلى الله عليه وسلم فلا تكون معارضة للرواية التي فيها أمره صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن يأكلوا منها .

- وقوله : " فجاء الغد بمثله " أي بمائدة عليها رطب ، فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما هذا يا سلمان ؟ ! فقال : هدية لك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  

لأصحابه : ابسطوا " ، يقال : بسط يده إذا مدها ، أي مدوا أيديكم فتناولوا منها ، فلم يأمر صلى الله عليه وسلم برفعها عنه ، وهذه العلامة الثانية .

- وقوله : " ثم نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن به " ؛ وهذه الثالثة ، فاجتمعت له العلامات الثلاث التي ذكرت له ؛ فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم .

- وقوله : " وكان لليهود " أي كان رقيقا لليهود ، " فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا درهما " : سعى النبي صلى الله عليه وسلم عند اليهود أن يكاتبوه على مقدار من الفضة ، وأن يغرس لهم نخلا ، وجاء في بعض الروايات أن يغرس لهم مائتين أو ثلاثمائة نخلة ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يعينوه ، فأخذوا يساعدونه بالفسائل ؛ هذا يعطيه عشرا ، وذاك يعطيه خمسا ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر غرس تلك الفسائل بيده حرصا على عتق سلمان الفارسي رضي الله عنه .

- وقوله : " فيعمل سلمان فيه حتى نطعم " أي : حتى تثمر ، ويؤكل من ثمرها .

- وقوله : " فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل " كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر الغرس بيده الشريفة " إلا نخلة واحدة غرسها عمر رضي الله عنه " .

- وقوله : " فحملت النخل من عامها ، ولم تحمل نخلة ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما شأن هذه النخلة ؟ ! " ، فقال عمر : يا رسول الله ! أنا غرستها ، فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرسها ، فحملت من عامها " ، وقد روى الحاكم في المستدرك من حديث عفان قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم بن سليمان ، وعلي بن زيد بن جدعان ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان قال : " كاتبت أهلي على أن أغرس لهم خمسمائة فسيلة ، فإذا علقت فأنا حر ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ... " ، وقال في تمامه : فغرسها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا  

واحدة غرستها بيدي ، فعلقت جميعا إلا التي غرست بيدي " .

وقيل في الجمع بين الروايتين : بأنه يجوز أن يكون كل من سلمان وعمر قد اشتركا في غرس هذه النخلة ، فأضاف الراوي مرة غرسها لعمر ، ومرة لسلمان رضي الله عنهما .

ولعل من الحكمة في ذلك أن تظهر المعجزة بإطعام جميع النخيل ، سوى ما لم يغرسه بيده صلى الله عليه وسلم ، ومعجزة أخرى وهي غرسه تلك النخلة ثانيا ، وإطعامها في عامها .

22- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَضَّاحِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ الدَّوْرَقِيُّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْعَوَقِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي خَاتَمَ النُّبُوَّةِ - فَقَالَ : كَانَ فِي ظَهْرِهِ بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ.

- قوله : " كان في ظهره " دلت الروايات السابقة أنه بين الكتفين ، وأنه إلى كتفه الأيسر أقرب .

- " بضعة " يعني : قطعة من اللحم ، " ناشزة " أي : بارزة مرتفعة ، فليست مستوية مع الجسم ، بل هي ناتئة وبارزة ، وقد تبين من خلال الروايات السابقة أن نتوءها وبروزها بحجم بيضة الحمامة تقريبا .

23- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ أَبُو الأَشْعَثِ الْعِجْلِيُّ الْبَصْرِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَدُرْتُ هَكَذَا مِنْ خَلْفِهِ ، فَعَرَفَ الَّذِي أُرِيدُ ، فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ  

ظَهْرِهِ ، فَرَأَيْتُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ عَلَى كَتِفَيْهِ مِثْلَ الْجُمْعِ حَوْلَهَا خِيلاَنٌ كَأَنَّهَا ثَآلِيلُ ، فَرَجَعْتُ حَتَّى اسْتَقْبَلْتُهُ ، فَقُلْتُ : غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : وَلَكَ فَقَالَ الْقَوْمُ : أَسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، وَلَكُمْ ، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [محمد : ]." أخرجه مسلم 2346 . " 

- : " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ناس من أصحابه " أي : معه صلى الله عليه وسلم مجموعة من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم .

- وقوله : " فدرت هكذا من خلفه " أي : ذهبت إلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان قصده بذلك أن يرى الخاتم الذي كان قد سمع به ، وقوله : " فعرف الذي أريد " يعني : عرف أنني استدرت وجئت وراءه من أجل النظر إلى الخاتم ، " فألقى الرداء عن ظهره " ، والرداء هو الجزء الذي يوضع أعلى البدن ، وإزاحته عن الظهر متيسرة وسهلة ، فلذلك ألقاه صلى الله عليه وسلم عن ظهره ، وقوله : " فرأيت موضع الخاتم على كتفه مثل الجُمع " ، والجمع هو : جمع اليد عندما تقبض ، فرأى الخاتم مثل حجم الجمع تقريبا .

وتقدم أن الروايات التي جاءت عن الصحابة في وصف حجم الخاتم متقاربة ، وكل من الرواة يذكر بحسب ما سنح له ، فأحدهم يقول : مثل زر الحجلة ، وآخر يقول : مثل البيضة ، وثالث يقول : مثل بضعة لحم ، ورابع يقول : مثل جمع اليد .

  والحديث رواه مسلم رحمه الله في صحيحه بلفظ : " فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه ؛ عند ناغض كتفه اليسرى جمعا ، عليه خيلان كأمثال الثآليل " ، وناغض  

الكتف : العظم الرقيق الناتئ على طرفها ، فهذه الرواية تدل على أن خاتم النبوة كان بين الكتفين ولكنه إلى الكتف الأيسر أقرب ، وما تقدم في الروايات أنه بين الكتفين من باب التقريب ، وإلا فإنه إلى الكتف الأيسر أقرب كما هو مصرح به في هذه الرواية .

- وقوله : " حولها خيلان " الخيلان : جمع خال ـ وهو معروف يقال له : الشامة ـ ، قطعة صغيرة لونها أسود ، وقوله : " كأنها ثآليل " ، والتآليل جمع ثؤلول ، وهو جزء صغير ناتئ في الجسم يكون صلبا متماسكا .

- وقوله : " فرجعت حتى استقبلته " يعني : جئت أمامه بعد ما رأيت الخاتم ، " فقلت : غفر الله لك يا رسول الله ! فقال : ولك " دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الدعوة العظيمة : بالمغفرة ، " فقال القوم : أستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ " يعني : فزت بهذا الأمر العظيم والربح الكبير ؛ حيث استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

  وهذا يدل على عظم شأن هذه الدعوة في قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفرحهم بها وهو ـ عليه الصلاة والسلام ـ إنما يستغفر في حياته ، أما بعد مماته فلا يستغفر لأحد ، كما يدل لذلك ما جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : " ذاك لو كان وأنا حي ؛ فأستغفر لك " أخرجه البخاري 7217 " ، وهذا دليل واضح أنه صلى الله عليه وسلم إنما يستغفر للناس في حياته ، وهو معنى قول الله تعالى : " ... وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) سورةالنساء ،أي في حياته .

أما تنزيل الآية على ما بعد وفاته ؛ فهو خطأ في الفهم وتعد في معرفة مدلول الآية ،  

ولهذا قالوا له : " أستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : نعم " استغفر لي ، ولو كان هذا الأمر يطلب منه بعد وفاته لطلبه هؤلاء القوم لأنفسهم ، لكنهم يعلمون أن هذه الفرصة إنما كانت ممكنة وقت حياة النبي صلى الله عليه وسلم .

- وقوله : " ولكم " أي أنه صلى الله عليه وسلم استغفر لكم ؛ مستشهدا لذلك بقوله تعالى : " واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات " ، والنبي صلى الله عليه وسلم قام بذلك فاستغفر للمؤمنين والمؤمنات .

  هذا جملة ما ساقه المصنف رحمه الله فيما يتعلق بخاتم النبي صلى الله عليه وسلم ، والواجب في هذا الباب هو اعتماد ما ثبتت به النصوص الصحيحة ، دون ما يذكر في الروايات الضعيفة ، والأحاديث الواهية ، والأخبار الموضوعة ، أو الحكايات المرسلة ؛ فـ " ما ورد من أنها كانت كأثر محجم ، أو كالشامة السوداء أو الخضراء ، أو مكتوب عليها محمد رسول الله ، أو سر فأنت المنصور ، أو نحو ذلك ؛ فلم يثبت منها شئ " فتح الباري 6/ 563 تحت حديث رقم 3541 " .

* فائدة : سئل الحافظ برهان الدين الحلبي رحمه الله : هل خاتم النبوة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ؟ أو كل نبي مختوم بخاتم النبوة ؟ فأجاب : " لا أستحضر في ذلك شيئا ، ولكن الذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم خص بذلك لمعان منها : أنه إشارة إلى أنه خاتم النبيين ، وليس كذلك غيره ، ولأن باب النبوة ختم به ؛ فلا يفتح بعده أبدا ، وروى الحاكم " في المستدرك 2/ 631 " عن وهب بن منبه ـ رحمه الله تعالى ـ قال : " لم يبعث الله   

نبيا إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى ، إلا أن يكون نبينا صلى الله عليه وسلم ؛ فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه صلى الله عليه وسلم ، فعلى هذا يكون وضع الخاتم بظهر النبي صلى الله عليه وسلم مما اختص به عن الأنبياء " سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي 2/ 50 " .  

 

 

 

ما جاء في خَلق رسول الله صلى الله عليه وسلم

ما جاء في خَلق رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

  أكرم الله نبينا صلى الله عليه وسلم بأكمل وأجمل الصفات الخلقية ، كما أنه أكرمه صلى الله عليه وسلم بأفضل الصفات الخُلقية ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه " الجواب الصحيح 5/ 438 " وهو يتحدث عن آيات نبوته صلى الله عليه وسلم : " وكان خَلقه صلى الله عليه وسلم وصورته من أكمل الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله ، فأكرمه بخَلق حسن وصورة جميلة واجتمعت في المحاسن .

1- حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ ، وَلاَ بِالْقَصِيرِ ، وَلاَ بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ ، وَلاَ بِالآدَمِ ، وَلاَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ ،  

 وَلاَ بِالسَّبْطِ ، بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ. " أخرجه البخاري 5900 ومسلم 2347"

  - قوله رضي الله عنه : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ ، وَلاَ بِالْقَصِيرِ " بيان لطوله صلى الله عليه وسلم وأنه ربعة ؛ أي متوسط بين " الطويل البائن " المفرط في الطول وبين " القصير " الذي اجتمع جسمه قصرا ، وكان صلى الله عليه وسلم إلى الطول أقرب منه إلى القصر كما جاء ذلك مصرحا به في بعض الروايات " كما في الأدب المفرد 1155 ، ومسند البزار 7789 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه " ولذا وصفه أنس رضي الله عنه بأنه :
" لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ " ولم يذكر وصفا مقابلا في القصر ؛ لأنه على الصلاة والسلام إلى الطول أقرب .

- وقوله : " البائن " قيل : هو من بان ، يبين ، بيانا إذا ظهر ؛ وقيل : من بان ، يبون ، بونا إذا بعُد ، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج بطوله عن حد الاعتدال .

- وقوله : " ولا بالأبيض الأمهق ، ولا بالآدم " بيان للونه صلى الله عليه وسلم ، يقال : أبيض أمهق ، إذا كان بياضه بياضا خالصا لا يخالطه سمرة ولا حمرة ولا غير ذلك ، و " الآدم " هو الأسمر ، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم ليس بالشديد البياض ، ولا هو أيضا بالأسمر ، وإنما لونه صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في بعض الأحاديث بياض مشرب بحمرة .

- وقوله : " ولا بالجعد القطط ، ولا بالسبط " بيان لصفة شعره صلى الله عليه وسلم ، وأنه وسط ليس " بالجعد العطط " وهو شديد التثني والجعودة المتداخل بعضه في بعض ، المتلوي بعضه على بعض لجعودته ، " ولا بالسبط " وهو الشعر      

المسترسل ، وإنما هو وسط بين ذلك .

- وقوله : " بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة " أي أنه صلى الله عليه وسلم نبئ عندما أتم من العمر أربعين سنة

- وقوله : " فأقام بمكة عشر سنين " بعد البعثة ، وقد جاء في بعض الروايات " ثلاث عشرة سنة " وهي المدة التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بعد البعثة ، فهو بعث على الأربعين ، وهاجر بعد أن أكمل ثلاث عشرة سنة نبيا ، " ويحمل قول من قال : عشر سنين ، على مدة إظهار النبوة ؛ فإنه لما بعث استخفى ثلاث سنين " صفة الصفوة لابن الجوزي 1/ 116 " ، وأوضح من هذا أن يحمل قول من قال عشر سنين على ما كان بعد نزول " المدثر " وأمره بالإنذار ، ومن قال ثلاث عشرة سنة أضاف إليها الثلاث السنوات التي كانت قبل الأمر بالإنذار ، أو أن الراوي ألغى الكسر .

- وقوله : " وبالمدينة عشر سنين " أي أقام بعد الهجرة بالمدينة عشر سنين .

- وقوله : " وتوفاه الله تعالى على رأس ستين سنة " الثابت أن الله تعالى توفاه على رأس ثلاث وستين سنة فتحمل هذه الرواية على إلغاء الكسر .

- وقوله " وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء " أي أن الشيب في لحيته صلى الله عليه وسلم وفي رأسه كان قليلا بحيث لا يصل إلى عشرين شعرة .

2- حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبْعَةً ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلاَ بِالْقَصِيرِ ، حَسَنَ الْجِسْمِ ، وَكَانَ شَعْرُهُ لَيْسَ بِجَعْدٍ وَلاَ سَبْطٍ أَسْمَرَ اللَّوْنِ ، إِذَا مَشَى يَتَكَفَّأُ. " أخرجه المصنف في " جامعه " 1754 وقال : حسن صحيح غريب "  

- قوله رضي الله عنه : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة " ، وسيأتي في بعض الروايات " مربوعا " وهما بمعنى واحد ، والمراد به المتوسط في القامة ، وقد وضحه بقوله : " ليس بالطويل البائن ، ولا بالقصير " أي : وسط بينهما .

- وقوله : " حسن الجسم " أي أن الله تعالى من عليه بجسم معتدل في الخلق متناسق الأعضاء ، فجسمه صلى الله عليه وسلم حسن وأعضاؤه متناسقة ، ومر قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وكان خَلقه صلى الله عليه وسلم وصورته من أكمل الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله "

- وقوله : " وكان شعره ليس بجعد ولا سبط " أي أن شعره صلى الله عليه وسلم وسط ، وقد مرت هذه الجملة في الحديث الذي قبله .

- وقوله : " أسمر اللون " وقد مر في حديث أنس السابق أنه صلى الله عليه وسلم " لا بالأبيض الأمهق ، ولا بالآدم " والآدم : الأسمر ، وهنا وصفه بأنه " أسمر اللون " ، ولهذا يرى بعض أهل العلم عدم ثبوت هذه اللفظة ، فقد تفرد بها حميد عن أنس ، وخالفه غيره من الرواة ، فقالوا : " أزهر اللون " بدل " أسمر اللون . ومن أهل العلم من حمل ذلك على أن المراد بالسمرة : الحمرة الخفيفة التي أشرب بها بياضه صلى الله عليه وسلم فكان بياضا مشربا بشئ من الحمرة .

- وقوله : " إذا مشى يتكفأ " أي : أنه إذا مشى صلى الله عليه وسلم كأنما ينزل من منحدر ، وسيأتي في وصف علي رضي الله عنه له أنه : " إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب " . فهذه   

صفة مشيته صلى الله عليه وسلم .

3- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلاً مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ، عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ الْيُسْرَى ، عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ ، مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ. "أخرجه البخاري 3551 ، ومسلم 2337 . 

- قوله رضي الله عنه : " رجلا مربوعا " هو نظير قول أنس رضي الله عنه في الحديث المتقدم : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة " والربعة والمربوع هو متوسط القامة فليس بالطويل البائن ولا بالقصير ، وإنما هو وسط ، وهذا كله على وجه التقريب وإلا فهناك نصوص دلت على أنه صلى الله عليه وسلم إلى الطول أقرب منه إلى القصر .

- وقوله : " بعيد ما بين المنكبين " ، " بعيد تروى مكبرة ومصغرة ؛ " بَعيد " و " بُعيد " ، والمنكب هو مجمع العضد والكتف ، فقوله : " ما بين المنكبين " أي الأيمن والأيسر ، والمراد أنه صلى الله عليه وسلم كان عريض أعلى الظهر .

- وقوله : " عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه " ؛ الشعر بحسب طوله له ثلاث صفات : الجمة ، والوفرة ، واللمة بكسر اللام ، وكلها تأتي في وصف شعر النبي صلى الله عليه وسلم .

قال أهل اللغة ـ على خلاف ذلك ـ :

الوفرة : ما نزل إلى شحمة الأذن ، وشحمة الأذن هو الجزء اللين المتدلي من الأذن الذي يوضع فيه القرط بالنسبة للمرأة . 

واللمة : ما جاوز شحمة الأذن سواء وصل إلى المنكبين أو لا .

والجمة : ما ضرب المنكبين .

فقوله : " عظيم الجمة إلى شحمة أذنية " المراد بالجمة هنا : الشعر ؛ أي : عظيم الشعر إلى شحمة الأذن ، وإلا فإن الشعر الذي ينزل إلى شحمة الأذن يقال له : الوفرة .

- وقوله : " عليه حلة حمراء " الحلة لا تطلق على اللباس إلا إذا كان مكونا من قطعتين مثل الإزار والرداء ، وقيل في سبب تسميته بذلك : أن أحدهما حل على الآخر . وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن لبس المياسر الحمر ، فعن البراء ابن عازب رضي الله عنهما قال : " نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن المياثر الحمر " أخرجه البخاري 5838 ومسلم 2066 " . وقال بعض أهل العلم في التوفيق بين لبسه صلى الله عليه وسلم للحلة الحمراء وبين النهي عن المياثر الحمر : بأن النهي إنما هو عن الأحمر الخالص ، أما إذا لم يكن أحمر خالصا بل خالطه لون آخر مثل البياض أو السواد أو نحو ذلك فهذا لا ينهى عنه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لبس حلة حمراء .

- وقوله :  " ما رأيت شيئا قط أحسن منه " لم يقل رضي الله عنه : ما رأيت إنسانا ؛ بل قال : " ما رأيت شيئا " ليعم جميع الأشياء التي رآها بما في ذلك القمر والشمس وغيرهما من الأشياء الجميلة ، وقوله : " قط " أي دائما وباستمرار في جميع الأشياء التي رأيتها وشاهدتها ، وهذا فيه كمال خلقته وجمال صورته وبهاء طلعته صلى الله عليه وسلم وما حباه الله تعالى به من الحسن والجمال ، فهذا البراء رضي الله عنه يقول : " ما رأيت شيئا قط أحسن منه " وسيأتي في  

كلام علي رضي الله عنه : " لم أر قبله ولا بعده مثله " فآتاه الله تعالى حسنا وجمالا وبهاء فاق ما يرى من الأشياء الجميلة .

4- حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ، لَمْ يَكُنْ بِالْقَصِيرِ وَلاَ بِالطَّوِيلِ. " أخرجه البخاري 3549 . ومسلم 2337 ,  . " هذه طريق أخرى لحديث البراء .

- قوله : " ما رأيت من ذي لمة " اللمة من الشعر هي ما جاوز شحمة الأذن سواء وصل إلى المنكبين أو لا ، والمراد بها هنا الشعر ، والمعنى : ما رأيت من ذي شعر " في حلة حمراء أحسن من رسول الله " . فالنبي صلى الله عليه وسلم أحسن من كل من رأى على  هذه الصفة .

- وقوله : " له شعر يضرب منكبيه " أي شعره يصل إلى المنكبين ، فهو نازل وواصل إلى المنكبين يضربهما .

- وقوله : " بعيد ما بين المنكبين " وقد سبق أنه صلى الله عليه وسلم عريض أعلى الظهر .

- وقوله : " لم يكن بالقصير ولا بالطويل " أي كان صلى الله عليه وسلم مقصدا بين الطول والقصر ، فليس بالطويل البائن ولا بالقصير وإنما كان بين ذلك ؛ لكنه إلى الطول أقرب .  ص25

5- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالطَّوِيلِ وَلاَ بِالْقَصِيرِ ، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ ، ضَخْمُ الرَّأْسِ ، ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ ، طَوِيلُ الْمَسْرُبَةِ ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. " أخرجه الترمذي في جامعه 3637 ، وقال هذا حديث حسن صحيح ،وفي اسناده المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، صدوق اختلط قبل موته ، وعثمان ابن مسل في لين "

6- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.

- قوله : " لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بالطويل ولا بالقصير " أي متوسط القامة ، وهذه صفة اشترك في ذكرها كل من وصف النبي صلى الله عليه وسلم .

- وقوله : " ششن الكفين والقدمين " أي غليظهما ، وهذا الغلظ لا يقتضي الخشونة ، فقد وصفه أنس رضي الله عنه ـ كما سيأتي ـ بقوله : " ولا مسست خزا ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فكانت يده صلى الله عليه وسلم ألين من الحرير .

- وقوله : " ضخم الرأس " ضخامة الرأس عظمه وكبره بعض الشئ " .

- وقوله : " ضخم الكراديس " الكراديس ، والمشاش أطراف  

العظام ، وقيل : " الكراديس " مجمع العظام أي المفاصل التي تلتقي فيها العظام . وهذه الأوصاف " ششن الكفين والقدمين ، ضخم الرأس ، ضخم الكراديس " ونحوها ـ مما سيأتي ـ كلها تدل على قوة بنيته صلى الله عليه وسلم وأن الله تعالى قد أعطاه جسما قويا .

- وقوله : " طويل المسربة " هي الشعر الذي يمتد من الصدر إلى السرة ، فكان صلى الله عليه وسلم له شعر ممتد من صدره إلى سرته .

-وقوله : " إذا مشى تكفأ تكفؤا " مر هذا في حديث أنس .

- وقوله : " كأنما ينحط من صبب " الصبب هو ما انحط ونزل من الأرض . والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم إذا مشى فكأنما ينزل أو يمشي في منحدر من الأرض .

- وقوله : " لم أر قبله ولا بعده مثله " وفي هذا ـ كما سبق ـ كمال خلقته وجمال صورته وبهاء طلعته صلى الله عليه وسلم وما حباه الله تعالى من الحسن والجمال .

7- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ الْبَصْرِيُّ ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَلِيمَةَ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غُفْرَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : كَانَ عَلِيٌّ إِذَا وَصَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ بِالطَّوِيلِ الْمُمَّغِطِ ، وَلاَ بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ ، وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ ، لَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ ، وَلاَ بِالسَّبْطِ ، كَانَ جَعْدًا رَجِلاً ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ وَلاَ بِالْمُكَلْثَمِ ، وَكَانَ فِي وَجْهِهِ تَدْوِيرٌ أَبْيَضُ مُشَرَبٌ ، أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ ، أَهْدَبُ الأَشْفَارِ ، جَلِيلُ الْمُشَاشِ وَالْكَتَدِ ، أَجْرَدُ ذُو مَسْرُبَةٍ ، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ ، إِذَا مَشَى تَقَلَّعَ كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ فِي صَبَبٍ ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ، أَجْوَدُ النَّاسِ صَدْرًا ،  

وأصدق  النَّاسِ لَهْجَةً ، وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً ، وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً ، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ ، يَقُولُ نَاعِتُهُ : لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. "في أسناده مقال ؛ عمر بن عبد الله مولى غفرة ضعيف ، وفيه انقطاع بين إبراهيم بن محمد وبن على رضي الله عنه ، وبهذا أعله المصنف رحمه الله في كتابه " الجامع 3638 حيث رواه فيه ثم قال عقبه : " وهذا حديث ليس إسناده بمتصل " وما جاء في بعض نسخ " جامع " الترمذي أنه قال : " هذا حديث حسن غريب ليس إسناده بمتصل " ؛ والذين نقلوا هذه الجملة عن الإمام الترمذي مثل الحافظ العراقي وغيره نقلوها دون هذه الزيادة ؛ فالحديث ضعيف الإسناد ؛ لكن ألفاظه تشهد لجلها شواهد ، تقدم بعضها وستأتي أخرى . "

قَالَ أَبُو عِيسَى : سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ : سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ فِي تَفْسِيرِ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُمَّغِطُ : الذَّاهِبُ طُولاً . وَقَالَ : سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ فِي كَلاَمِهِ : تَمَغَّطَ فِي نَشَّابَتِهِ أَيْ مَدَّهَا مَدًّا شَدِيدًا . وَالْمُتَرَدِّدُ : الدَّاخِلُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ قِصَرًا . وَأَمَّا الْقَطَطُ : فَالشَّدِيدُ الْجُعُودَةِ . وَالرَّجُلُ الَّذِي فِي شَعْرِهِ حُجُونَةٌ : أَيْ تَثَنٍّ قَلِيلٌ . وَأَمَّا الْمُطَهَّمُ فَالْبَادِنُ الْكَثِيرُ اللَّحْمِ . وَالْمُكَلْثَمُ : الْمُدَوَّرُ الْوَجْهِ . وَالْمُشَرَبُ : الَّذِي فِي بَيَاضِهِ حُمْرَةٌ . وَالأَدْعَجُ : الشَّدِيدُ سَوَادِ الْعَيْنِ . وَالأَهْدَبُ : الطَّوِيلُ الأَشْفَارِ. وَالْكَتَدُ : مُجْتَمِعُ الْكَتِفَيْنِ وَهُوَ الْكَاهِلُ . وَالْمَسْرُبَةُ : هُوَ الشَّعْرُ الدَّقِيقُ الَّذِي كَأَنَّهُ قَضِيبٌ مِنَ الصَّدْرِ إِلَى السُّرَّةِ. وَالشَّثْنُ : الْغَلِيظُ الأَصَابِعِ مِنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ . وَالتَّقَلُّعُ : أَنْ يَمْشِيَ بِقُوَّةٍ. وَالصَّبَبُ الْحُدُورُ ، نَقُولُ : انْحَدَرْنَا فِي صَبُوبٍ وَصَبَبٍ .   

وَقَوْلُهُ : جَلِيلُ الْمُشَاشِ يُرِيدُ رُءُوسَ الْمَنَاكِبِ. وَالْعِشْرَةُ : الصُّحْبَةُ ، وَالْعَشِيرُ : الصَّاحِبُ. وَالْبَدِيهَةُ : الْمُفَاجَأَةُ ، يُقَالُ : بَدَهْتُهُ بِأَمْرٍ أَيْ فَجَأْتُهُ.

- قوله : " لم يكن رسول الله بالطويل الممغط " أي شديد الطول ، وقد مر في حديث أنس المتقدم : " ليس بالطويل البائن " وهو بمعنى الطويل الممغط ، والانمغاط هو بمعنى البائن الذي امتد في الطول .

- وقوله : " ولا بالقصير المتردد " يعني شديد القصر .

- وقوله : " كان ربعة " أي كان وسطا " من القوم " أي من الرجال ، فكان صلى الله عليه وسلم وسطا ، لا بالطويل البائن ولا بالقصير .

- وقوله : " لم يكن بالجعد القطط ، ولا بالسبط " وقد مر أن الجعودة هي التثني في الشعر والتعطف فيه ودخول بعضه في بعض ، فلم يكن صلى الله عليه وسلم بالجعد الذي في شعره جعودة شديدة ، ولا بالسبط الذي شعره مسترسل ، وإنما كان وسطا بين ذلك .

- وقوله : " كان جعدا رجٍلا " هذا توضيح للبينية التي بين الجعد القطط وبين السبط ، فكان شعره صلى الله عليه وسلم وسطا بين ذلك .

- وقوله : " ولم يكن بالمطهم " والمطهم السمين الممتلئ ، فلم يكن صلى الله عليه وسلم جسيما سمينا ممتلئا مترهلا .

- وقوله : " ولا بالمكلثم " المكلثم المرادبه مستدير الوجه الاستدارة التامة ، فلم يكن وجهه صلى الله عليه وسلم مستديرا تمام الاستدارة ، وإنما كان بين الاستدارة والإسالة ، فلذلك قال : " وكان في وجهه تدوير " أي فيه تدوير مع شئ من الإسالة .

- وقوله : " أبيض مشرب " أي ليس بياضه البياض الأمهل الخالص ، أو  

البياض الصرف ، وإنما هو بياض مشرب بحمرة ، وهذا معنى وصفه ـ كما سيأتي ـ أنه " أزهر اللون " أي أنه أبيض بياضا مشربا بحمرة .

- وقوله : " أدعج العينين " أي أسود ، وقوله : " أهدب الأشفار " الأشفار : الشعر الذي ينبت في جفون العين ، فكان صلى الله عليه وسلم طويل الأشفار .

- وقوله : " جليل المشاش والكتد " المشاش هي رؤوس العظام ؛ وهي بمعنى ما تقدم في قوله : " ضخم الكراديس " ، و" الكتد " : مجمع الكتفين ويقال له : الكاهل ، فكان صلى الله عليه وسلم " جليل الكتد " أي عظيم الكاهل ، وهو بمعنى ما سبق من أنه صلى الله عليه وسلم " بعيد ما بين المنكبين " .

- وقوله : " أجرد " أي غير أشعر ، والأشعر هو كثير شعر البدن ، وذكر في وصفه أن في مواضع من جسمه شعرا ، ومن ذلك قوله : " ذو مسربة " والمسربة هي الشعر الذي ينزل من الصدر إلى السرة ، وقوله : " ششن الكفين والقدمين " سبق بيان معناه .

- وقوله : " إذا مشى تقلع " أي يمشي مشيا قويا ، ليس كمشي الذي ينهض رجله من الأرض بتثاقل ، وقوله : " كأنما ينحط في صبب " والصبب : ما انحدر ونزل من الأرض .

- وقوله : " وإذا التفت التفت معا " أي إذا التفت إلى الوراء استدار بجسمه كاملا  ، وهذا من وقاره صلى الله عليه وسلم فلا يدير الرأس فقط وجسمه إلى الأمام ، وإنما يستدير بكامل جسمه ، أما النظر اليسير إلى اليمين أو إلى اليسار فغير داخل هنا  

- وقوله : " بين كتفيه خاتم النبوة " في ظهره صلى الله عليه وسلم بين كتفيه خاتم النبوة وهو قطعة من اللحم بارزة ، وسـتأتي أحاديث عديدة في ترجمة خاصة به .

- وقوله : " وهو خاتم النبيين " أي آخرهم فلا نبي بعده كما قال الله تعالى : " مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) سورة الأحزاب .

- وقوله : " أجود الناس صدرا " وهذا فيه رحابة صدره صلى الله عليه وسلم وسعته ؛ فإن جوده وسخاءه وكرمه وبذله عن سخاء صدر ورحابة نفس ؛ لا عن تصنع أو تكلف أو نحو ذلك .

- وقوله : " وأصدق الناس لهجة " أي أصدقهم حديثا صلى الله عليه وسلم ، وهو منذ نشأته عرف في قومه بالصادق الأمين .

- وقوله : " وألينهم عريكة " المراد بالعريكة الطبيعة والسجية ، فكان لين السجايا والطباع ، فلم يكن غليظا ولا فظا ، وإنما كان لينا سمحا رفيقا متواضعا سهلا صلى الله عليه وسلم .

- وقوله : " وأكرمهم عشرة " أي كريم المعاشرة والمصاحبة والمرافقة ، فهو يعامل من يعاشر ومن يخالط أحسن معاملة صلى الله عليه وسلم .

- وقوله : " من رآه بديهة هابه " يعني من رآه فجأة أو لأول مرة يهابه لأنه صلى الله عليه وسلم مهيب جعل الله تعالى له في القلوب هيبة .

- وقوله : " ومن خالطه معرفة أحبه " أي من صاحبه وجالسه وما شابه ورافقه صلى الله عليه وسلم أحبه ؛ لأنه لا يرى فيه إلا ما يدعو إلى حبه من كريم الأخلاق وطيب المعاملات وحسن المعاشرة ، وقد قال الله تعالى : " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ  

 الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ..  (159) . آل عمران .

- وقوله : " يقول ناعته " الناعت هو الواصف ، أي يقول واصفه : " لم أر قبله ولا بعده مثله " هذه الجملة واردة في قول غير واحد ممن وصفه صلى الله عليه وسلم .

- ثم أورد الإمام الترمذي عن الأصمعي تفسير الكلمات الغريبة التي جاءت في هذا الحديث ، وأكثر هذه الكلمات واضحة المعنى مما تقدم ويأتي ، وقوله : " تمغط في نشابته " بضم النون وتشديد الشين ، والنشابة واحدة النشاب وهو النبل ، وقوله : " والرجل : الذي في شعره حجونة " ، والمراد بالحجونة الانعطاف والتثني ، قال : " أي : تثن قليل " ؛ لأن شعره صلى الله عليه وسلم ليس بالجعد وإنما فيه حجونة مثل ما جاء : " كان جعدا رجلا " لم يكن جعدا قططا ، وإنما كان جعدا رجلا .

8- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيُّ إِمْلاَءً عَلَيْنَا مِنْ كِتَابِهِ قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجَةَ ، يُكَنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنٍ لِأَبِي هَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ ، وَكَانَ وَصَّافًا ، عَنْ حِلْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ ، فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّمًا ، يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، أَطْوَلُ مِنَ الْمَرْبُوعِ ، وَأَقْصَرُ مِنَ الْمُشَذَّبِ ، عَظِيمُ الْهَامَةِ ، رَجِلُ الشَّعْرِ ، إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ فَرَّقَهَا ، وَإِلَّا فَلاَ يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفَّرَهُ ، أَزْهَرُ اللَّوْنِ ، وَاسِعُ الْجَبِينِ ، أَزَجُّ الْحَوَاجِبِ سَوَابِغَ فِي غَيْرِ قَرَنٍ ، بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ ، أَقْنَى الْعِرْنَيْنِ ، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ ، يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ ، كَثُّ اللِّحْيَةِ ، سَهْلُ الْخدَّيْنِ ، ضَلِيعُ الْفَمِ ، مُفْلَجُ الأَسْنَانِ ، دَقِيقُ الْمَسْرُبَةِ ،كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ ، مُعْتَدِلُ الْخَلْقِ ، بَادِنٌ مُتَمَاسِكٌ ، سَوَاءُ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ ، عَرِيضُ الصَّدْرِ ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ   

 ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ ، أَنْوَرُ الْمُتَجَرَّدِ ، مَوْصُولُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ ، عَارِي الثَّدْيَيْنِ وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ ، أَشْعَرُ الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ ، طَوِيلُ الزَّنْدَيْنِ ، رَحْبُ الرَّاحَةِ ، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ ، سَائِلُ الأَطْرَافِ - أَوْ قَالَ : شَائِلُ الأَطْرَافِ - خَمْصَانُ الأَخْمَصَيْنِ ، مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ ، يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ ، إِذَا زَالَ زَالَ قَلِعًا ، يَخْطُو تَكَفِّيًا ، وَيَمْشِي هَوْنًا ، ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ ، إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا ، خَافِضُ الطَّرْفِ ، نَظَرُهُ إِلَى الأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلاَحَظَةُ ، يَسُوقُ أَصْحَابَهُ وَيَبْدَأُ مَنْ لَقِيَ بِالسَّلاَمِ. " وهو حديث طويل جدا ، أورد الترمذي رحمه الله بعضه هنا وسيأتي مقطعا في مواضع من كتابه ، وقد ساقه بتمامه الإمام المزي رحمه الله في مقدمة كتابه " تهذيب الكمال 1/214 . وقال : " وفي إسناد حديثه بعض من لا يعرف " . وقال العلامة ابن القيم في كتابه " المدارج 1/ 506 " : " وأما حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي صلى الله عليه وسلم فحديث لا يثبت وفي إسناده من لا يعرف " . وفي إسناده أيضا جميع بن عمير ، قال الحافظ في " التقريب 1/142 " : " جميع ابن عمير ،،، ضعيف رافضي " . والرجل الذي من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة يكنى أبا عبد الله : مجهول . فالحديث سنده ضعيف لا يثبت ، وقد مرت بعض ألفاظه في أحاديث صحيحة , ويأتي بعضها أيضا في أحاديث أخرى صحيحة .  

وليس كل أحد يجيد الوصف ، فمن الناس من يرى الشخص مرات ويقال له : صفه فلا يستطيع ، ومنهم من يراه مرة أو مرتين فيصفه وصفا دقيقا ، فمثل هذا يقال له : وصاف .

- قوله : " عن حلية النبي صلى الله عليه وسلم " المراد بحليته : صفته ونعته صلى الله عليه وسلم ، واختار هذه اللفظة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كله حلية وجمال .

- وقوله : " وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به " المراد بالتعلق هنا : تعلق العلم والمعرفة ، يعني تكون عندي صفة أحفظها وأضبطها بحيث أكون على ذكر وعلى معرفة بوصفه صلى الله عليه وسلم من خلال تلك الألفاظ والجمل التي أحفظها .

  والحسن بن علي ممن أكرمهم الله برؤية النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه رآه وهو صغير رضي الله عنه ، لذلك أراد من خاله هند رضي الله عنه الوصاف أن يعطيه جملا في أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم يتعلق بها في باب المعرفة والعلم بأوصاف النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يفيد أن معرفة أوصافه صلى الله عليه وسلم باب شريف من العلم تجدر العناية به .

- وقوله : " كان النبي صلى الله عليه وسلم فخما " : أي عظيما في أوصافه وفي هيئته وفي مظهره وفي حليته وفي صفته ، " مفخما " : أي معظما في صدور أصحابه وفي صدر من يراه صلى الله عليه وسلم .

- وقوله : " يتلآلآوجهه تلألؤ القمر ليلة البدر " التلألؤ وهو الإشراق والإضاءة ، فكان وجهه صلى الله عليه وسلم مشرقا مضيئا متلألئا تلألؤ القمر .

- وقوله : " أطول من المربوع " أي أنه صلى الله عليه وسلم كان ربعة من القوم لكنه إلى الطول أٌقرب ، فليس مربوعا تماما وإنما أطول من المربوع ؛ لكنه ليس بالطويل البائن كما سبق بيانه .  

- وقوله : " وأقصر من المشذب " المشذب هو طويل القامة مع النحافة ، والنحيف الطويل يظهر طوله بشكل واضح ، فكان صلى الله عليه وسلم أقصر من المشذب وأطول من المربوع .

- وقوله : " عظيم الهام " أي الرأس وقد سبق هذا .

- وقوله : " رجل الشعر " أي في شعره تثن يسير ، وقد مر معناه .

- وقوله : " إن انفرقت عقيقته فرقها " العقيقة الشعر ، أي إذا كان شعره يمكن فرقه فرقه ، " وإلا فلا " أي : وإن لم يمكن فرقه أبقاه مسترسلا على حاله .

  قال ابن القيم رحمه الله في " الزاد " : " وكان أولا يسدل شعره ثم فرقه ، والفرق أن يجعل شعره فرقتين ، كل فرقة ذؤابة ، والسدل أن يسدله من ورائه ولا يجعله فرقتين " .

" يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره " وقد مر نحو هذا في بعض الأحاديث .

- وقوله : " أزهر اللون " الأزهر هو الأبيض بياضا مشربا بحمرة .

- وقوله : " واسع الجبين " الجبين معروف ، أي ممتد الجبين في الطول والعرض .

- وقوله : " أزج الحواجب " الحاجب معروف ؛ وهو العظم الذي فوق العين بما عليه من لحم والشعر النابت على هذا اللحم ، وهما حاجبان ، والزجج : طول الحاجبين ، ودقتهما ، وسبوغهما إلى مؤخر العينين ، وقوله " سوابغ " جمع سابغة بمعنى كاملة وتامة ، فكانت صلى الله عليه وسلم تامة كاملة ، وقوله " في غير قرن " القرن هو التقاء الحاجبين بحيث لايكون بينهما فجوة أو فراغ ، فالأقرن من اتصل شعر حاجبيه ، والأبلج من كان ما بين   

حاجبيه خاليا من الشعر ، وكانا منفصلين ، والعرب تستحبه ، فكان صلى الله عليه وسلم قد وضح ما بين حاجبيه فلم يقترن

- وقوله : " أقنى العرنين " بكسر النون التي بعد الراء ، والعرنين هو الأنف ، أي طويل الأنف فكان صلى الله عليه وسلم في أنفه شئ من الطول ، وقوله : " له نور يعلوه " والضمير إما يعود على النبي صلى الله عليه وسلم أو على الأنف وهما متلازمان ، وقوله : " يحسبه من لم يتأمله أشم " الشمم في الأنف هو ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاه وإشراف الأرنبة ، فالذي يراه بسبب النور والوضاءة والإشراقة التي تكسو وجهه وأنفه صلى الله عليه وسلم يظنه أشم ، يعني يظن أن أنفه به شمم والأمر ليس كذلك ، بل هو صلى الله عليه وسلم أقني الأنف أي في أنفه طول صلى الل

تواضع الإمام الشافعي


تواضع الإمام الشافعي

يحكى أن يونس بن عبد اﻷعلى - أحد طلاب اﻹمام الشافعي - اختلف مع اﻹمام محمد بن إدريس الشافعي في مسألة أثناء إلقائه درسا في المسجد...!!
فقام يونس بن عبد اﻷعلى مغضبا ، وترك الدرس ، وذهب إلى بيته...!!
فلما أقبل الليل ، سمع يونس صوت طرق على باب منزله...!!
فقال يونس: من بالباب...؟
قال الطارق: محمد بن إدريس...!!
قال يونس: فتفكرت في كل من كان اسمه محمد بن إدريس إلا الشافعي...!!
قال: فلما فتحت الباب ، فوجئت به...!!
فقال اﻹمام الشافعي: يا يونس تجمعنا مئات المسائل ، وتفرقنا مسألة...؟!.

المراتب الربانية لصاحب القرآن

‏- المراتب الخمسة الربانية لصاحب القرآن :
• الشفاعة : «فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»
• الرفعة : «فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرؤها»
• الصحبة : «مع السفرة الكرام البررة»
• الخيرية : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»
• الأهلية : «أهل القرآن أهل الله وخاصته»
اللهم اجعلنا منهم

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين

قال الله – تعالى – في حق نبيه – صلى الله عليه وسلم - : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )الأنبياء 107

 فلولاه لنزل العذاب بالأمة ولاستحققنا الخلود بالنار ولضعنا في مهاوي الرذيلة والفساد والانحطاط ( وما كان الله معذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) 

فوجوده - صلى الله عليه وسلم -  أمان لنا من النار ومن العذاب . 

 

قال ابن القيم في جلاء الأفهام : 

إنّ عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته – صلى الله عليه وسلم -  :

أمّا أتباعه : فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة .

 

وأمّا أعداؤه المحاربون له : فالذين عجّل قتلهم وموتهم خيرٌ لهم من حياتهم لأن حياتهم زيادة في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة ، وهم قد كتب الله عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر .

 

وأمّا المعاهدون له : فعاشوا في الدنيا تحت ظلّه وعهده وذمته ، وهم أقل شرّاً بذلك العهد من المحاربين له .

 

وأمّا المنافقون : فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها ، وجريان أحكام المسلمين عليهم .

 

وأمّا الأمم النائية عنه : فإن الله - سبحانه وتعالى - رفع برسالته العذاب العامّ عن أهل الأرض .

ــــــــــــــــــــــــ 

قلتُ : 

قوله " وأمّا الأمم النائية عنه : فإن الله - سبحانه وتعالى - رفع برسالته العذاب العامّ عن أهل الأرض " .

فإن أهل مكة قالوا :

( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم )

فأجابهم الحق بقوله (وما كان الله معذبهم وأنت فيهم )

فإنه قد كانت لله – عز وجل سنة في خلقه قبل مبعث محمد – صلى الله عليه وسلم – أنه يرسل الأنبياء إلى أقوامهم فإن كذبوهم وعاندوهم أخذهم بالعذاب في الدنيا

والقرآن الكريم كله من أوله إلى آخره يقص علينا هذه القصص

منهم من أغرق .. ومنهم من أرسل عليه حاصبا ..... ومنهم من أخذوا بالصيحة .. ومنهم من خسف به الأرض ............

فلما بعث – صلى الله عليه وسلم – رفع العذاب الدنيوي عن أهل الأرض

وقد جعل الله لأمته – عليه السلام – أمانين هما مبعثه

والاستغفار ؛ فقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم – أنه قال : " أعطيت أمتي اثنتين لم تعطهما أمة من قبلهم : ما كان الله ليعذبهم وأنا فيهم ، فإذا انتقلت إلى الله تركت فيهم الاستغفار "

 

والله المرتجى

وهو الموفق

أ / الطيب سيد أحمد الشنهوري 

 

 

 

 

الدنيا دار ممر

إن الدنيا دار ممر ، لا دار مقر ، فخذ من ممرك لمقرك ، ولا تهتك سترك عند من لا يخفى عليه سرّك ، وأخرج الدنيا من قلبك قبل أن يخرج منها بدنك ، ففيها حييت ولغيرها خلقت ، واليوم يوم عمل ولا حساب ، وغدا يوم حساب ولا عمل ، وإن الرجل إذا هلك قال الناس: ماذا ترك؟؟وقالت الملائكة : ماذا قدم ؟؟ فخذ من وقتك ومالك بعضاً يكن لك في الآخرة قرضاً وأحسن كما أحسن الله إليك .

ــــــــــــــــ

ليس الشجاعُ الذي يحمي فريسَتَهُ

   عند القتالِ ونارُ الحربِ تشتعلُ

ولكنَّ من كفَّ طَرفاً أو ثنى قدماً

   عن الحرامِ فذاك الفارسُ البطلُ

في ذم صفة الدنيا



مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ (1) ! وَآخِرُهَا فَنَاءٌ! فِي حَلاَلِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ. مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنْ سَاعَاهَا (2) فَاتَتْهُ، وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ (3) ، وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إلَيْهَا أَعْمَتْهُ.
 
 قال الشريف:أقول: وإذا تأمل المتأمل قوله : «وَمَنْ أبْصَرَبِهَا بصّرَتْهُ» وجد تحته من المعنى العجيب، والغرض البعيد، ما لا تُبلغ غايته ولا يدرك غوره، لا سيما إذا قرن إليه قوله: «ومَن أبْصَرَ إليها أعْمَتْهُ»، فإنه يجد الفرق بين «أبصر بها» و«أبصر إليها» واضحاً نيراً عجيباً باهراً!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. العناء: التعب.
2. ساعاها: جاراها سعياً.
3. واتَتْهُ: طَاوَعَتْهُ.
1. العناء: التعب.
2. ساعاها: جاراها سعياً.
3. واتَتْهُ: طَاوَعَتْهُ.

* نهج البلاغة
لأمير المؤمنين علي
رضي الله عنه

اسم الله ( العلي)

اسم الله ( العلي).

-الله سبحانه و تعالى عال على عرشه بذاته، وبكيفية حقيقية معلومة لله، مجهولة لنا، فهناك في القرآن بضع آيات تتحدث عن ذات الله، وأكمل موقف للإنسان الموحد الورع أن يكل معناها إلى الله تعالى .

- يجب أن تعتقد أن عقلك ليس قوة مطلقة في المعرفة، هو كميزان حساس متقن غال في بقالية، ولكنه مصنوع لوزن مابين خمسة غرامات إلى خمسة كيلوا، ما لم تؤمن أن هذا الميزان مهمته محدودة فلن تنتفع به تماما، فإذا أردت أن تزن به سيارتك، فوضعته على الأرض وسرت فوقه، تكون قد حطمته، هل يعد هذا علة في الصنعة ؟لا،بل هي علة في المستخدم.

لذلك قالوا: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به.

وقالوا: العجز عن إدراك الإدراك إدراك.

مثل بسيط: شخص سألك كم لترا من الماء في المحيط الهادي؟ لمجرد أن تدلي برقم فأنت جاهل ولمجرد أن تقول : لا أعلم فأنت عالم .

إذا : الذي عليه السلف الصالح، من الصحابة والتابعين

والأئمة الأجلاء المتبعين، أن الله عال على عرشه بذاته ،بكيفية حقيقية معلومة لله، مجهولة لنا .

يقترن اسم الله «العلي»باسمه العظيم في القرآن والسنة ، ولا سيما حينما يذكر العرش والكرسي، ففي آية الكرسي وهي كما تعلمون أعظم آية في كتاب الله ﴿وسع كرسيه السمـٰوات والأرض ولا يــٔوده حفظهما وهو العلى العظيم (255)﴾البقرة .

هذه الآيات وغيرها كثير واضحة في إثبات علو الذات

والفوقية، لكن بعض المفسرين لاسم الله «العلي» جعلوه دالا على المعنيين فقط من معاني العلو، هما علو الشأن، وعلو القهر، واستبعدوا المعنى الثالث وهو علو الذات والثابت الصحيح أن معاني العلو عند السلف الصالح ثلاثة دلت عليها أسماء الله المشتقة من صفة العلو، فاسم الله « العلي»دل على علو الذات واسم الله الأعلى دل على علو الشأن، واسم الله المتعالي دل على علو القهر، علو الذات وعلو الشأن وعلو القهر، والنبي صلى الله عليه و سلم لما سأل الجارية :«فقال لها أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة »

والله تعالى يقول :﴿ءأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض﴾.

لأن السماء رمز العلو، فلا إشكال عند الموحدين العقلاء في فهم حديث الجارية، وقولها إن الله في السماء والأمر واضح جلي، وأي اعتراض على هذا هو اعتراض على رسول الله صلى الله عليه و سلم.

ما لم نؤمن بأن الله علي عظيم، وبأنه علي كبير، قد لا نطيعه، لأن عظمة الأمر من عظمة الآمر، فكلما عظم الآمر عظم الأمر .

وفي الحديث:«وفضل كلام الله على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه » لو أن شخصا درس أي علم أرضي، ودرس أسماء الله الحسنى، ففضل علمه بأسماء الله الحسنى على فضل علمه بمخلوقاته كفضل الله على مخلوقاته،وشرف العلم من شرف المعلوم، أي لا يوجد علم أشرف من أن تعرف الله، لا يوجد علم أشرف من أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى.

لذلك فالإنسان حينما يغفل عن الله، يأتي يوم القيامة وقد تقطع قلبه أسفا.

﴿يقول يـٰليتني قدمت لحياتي(24)﴾.

﴿يـٰليتني ٱتخذت مع الرسول سبيلا(27)﴾.

«العلي»لا يزيده تعظيم العباد،وإجلالهم له شيئا.

«لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم،كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا».

لو أن إنسانا كان بمستوى معين، إما ماليا أو أخلاقيا، أو سلوكيا،أو رتبيا، لكن الناس يعظمونه كثيرا،هذا التعظيم يرفعه، وهو ليس في هذا المكان، لكن التعظيم الشديد رفعه إلى مكان ليس هو فيه، لكن الله سبحانه و تعالى لو أن كل الخلق سبحوه، وعظموه،وبجلوه، فهذا التسبيح،والتعظيم،والتبجيل،لا يزيده علوا،فهو علي بذاته، فالإنسان يعلو بمديح الخلق، لكن الله سبحانه و تعالى علي بذاته، لا يزيده تسبيح عباده وتعظيمهم له علوا.

 

1 2 3 ... 44 45 46  التالي»