النجش والتناجش

 

نَهَى رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ - عَن ِالنَّجْشِ ..

• أخْرَجَ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ أبي هُرَيْرَة َ- رَضِي اللهُ عَنْهُ- قالَ :

نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا .

 

• وَأخْرَجَ الإمامُ مُسْلِمٌ عَنِ أبي هُرَيْرَة َ- رَضِي اللهُ عَنْهُ -  قالَ :

قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ -:

«ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ - وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ - وَلَهُمْ عَذَابٌ

أَلِيمٌ ... » ، وَذكَرَ منهم :

« ... وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ العَصْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ» ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ

الآيَةَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ..} آل عمران 77

 

فمَا النَّجْشُ ؟

النَّجْشُ نَوْعٌ مِنْ أنْواع ِآفاتِ اللِّسان ِ، خاصٌّ بالْبَيْع ِ وَالشِّراءِ ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الخَدِيْعَة ِوَالمَكْرِ، وَأكْلِ أمْوالِ النَّاسِ بالباطِلِ .. وَفِي مَعْنَى النَّجْش ِأوِ التَّناجُش ِجاءَ :

• قالَ الحافظ ُابنُ حَجَر- رَحِمَهُ اللهُ - فِي"فَتْحُ البارِي":

(النَّجْشُ: هُو الزِّيادَة  ُفِي ثمَنِ السِّلْعَةِ مِمَّنْ لا يُرِيْدُ شِراءَها لِيقَعَ غيْرُهُ فِيْها، وَقدْ سُمِّي تَناجُشاً ؛ لأنَّ الناجِشَ يُثِيْرُ الرَّغْبَةَ فِي السِّلْعَةِ ، وَيقَعُ ذلِكَ بمُواطَأة ِالبائِع ِفيَشْتَرِكانِ فِي الإثْم ِ) ..

• وَجاءَ فِيْهِ أيْضاً :

(قالَ الإمامُ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللهُ - :

النَّجْشُ: أنْ يُحْضُرَ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ تُباعُ ، فيُعْطِي بها الشَّيءَ، وَهُو لا يُرِيْدُ شِراءَها لِيَقْتَدِي بهِ السُّوَّامُ ، فيُعْطُون بها أكْثَرَ مِمَّا كانُوا يُعْطُونَ لَوْ لَمْ يَسْمَعُوا سَوْمَهُ )..

• وَقالَ الإمامُ التِّرْمِذِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - ، فِي سُنَنِهِ :

(النَّجْشُ: هُوَ أنْ يأتِي الرَّجُلُ الذِي يِفْصِلُ السِّلْعَةَ إلَى صاحِبِ السِّلْعَةِ فَيَسْتامَ

بأكْثَرِ مِمَّا تَسْوَى، وَذَلِكَ عِنْدَما يَحْضرُهُ المُشْتَرِي، يُرِيْدُ أنْ يَغْتَرَّ المُشْتَرِي بِهِ

"أي بِما قالَهُ ثَمَناً لِلسِّلْعَةِ " وَلَيْسَ مِنْ رَأيِهِ الشِّراءُ ، وَإنَّما يُرِيْدُ أنْ يَخْدَعَ المُشْتَرِي بِما يَسْتامُ) ..

• وَقالَ الجُرْجانِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - ، فِي" التَّعْرِيْفات":

(النَّجْشُ: أنْ تُزِيْدَ فِي ثَمَنِ سِلْعَةٍ ، وَلا رَغْبَة َلَكَ فِي شِرائِها) ..

• وَقدْ ذكَرَا لفَيُّومِي فِي"المِصْباح المُنِيْر"ما يُفِيْدُ أنَّ التَّناجُشَ يَقَعَ أيْضاً فِي النِّكاح ِعِنْدَما قالَ:

 ( يُقَال: نَجَشَ الرَّجل: إذا زادَ فِي سِلْعَتِهِ أكْثَرَ مِنْ ثَمَنِها.. ، وَكَذَلِكَ فِي النِّكاح ِوَغَيْرِهِ ، وَفِعْلُ ذلِكَ هُو التَّناجُشُ) ..

• وَفِي "المُغْنِي" قالَ ابنُ قُدامَة َالمَقْدِسِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - :

( النَّجْشُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَهُوَ حَرامٌ وِخِداعٌ ، وَفِيْهِ تَغْرِيْرٌ بالمُشْتَرِي) ..

• وَقدْ رُوِي عَنْ عُمَر َبنِ عَبْدِ العَزِيْزِ - رَحِمَهُ اللهُ - أنَّ عامِلاً لَهُ باع سَبِيَّاً ، فقالَ

لَهُ : لَوْلا أنِّي كُنْتُ أَزِيْدُ فأنْفِقهُ لَكانَ كاسِداً .

فقالَ لَهُ عُمَرُ: (هَذا نَجَشٌ لا يَحِلُّ )

فبَعَثَ مُنادياً يُنادِي : (إنَّ البَيْعَ مَرْدودٌ، وَأنَّ البَيْعَ لا يَحِلّ ُ) ..

* ومما يُؤَيِّدُ نَهْي رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ - عَن ِالنَّجْشِ - وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى- ، قَوْلُهُ تَعالَى فِي سُورَةِ"آل عِمْران"77 :

{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}..

وَوَجْهُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيْمَةِ بالتَّناجُشِ ما رُوِيَ عَنْ سَبَبِ نُزولها - كما جاءَ فِي"فَتْحُ البارِي"- مِن أنَّ رَجُلاً أقامَ سِلْعَتَهُ فحَلَفَ باللهِ أنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ فِيْها ما لَمْ يُعْطَ ، فنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَة ُ) ..

* وَذَكَرَ الإمامُ الطَّبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - فِي تَفْسِيْرِ هَذِهِ الآيَةِ :

(عَنْ عامِر الشَّعْبيِّ - رَحِمَهُ اللهُ - أنَّهُ قالَ:

أقامَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ أوَّلَ النَّهارِ، فلمَّا كانَ آخِرُهُ جاءَ رَجُلٌ يُساوِمُهُ ، فحَلَفَ لَقَدْ مَنَعَها أوَّلَ النَّهارِ مِنْ كَذا وَكَذا ، وَلَوْلا المَساءَ ما باعَها بهِ ، فأنْزَل اللهُ – عَزَّ وَجَلَّ – هَذِهِ الآيَة َ﴾ ..

 

 

 

 

كلمة المولد النبوي الشريف


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ، وله الحمد أن ميزه على سائر المخلوقات بقدرة التعلم ليتطور ؛ فيبلغ مدارك الكمال ، فأرسل إليه الرسل وأنزل إليه الكتب " رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل "
وأصلي وأسلم على نبيه العربي ورسوله القرشي ، الذي حمل الرسالة وأدى الأمانة ، وكان للبشرية خير معين ، النبي الأمي الذي علم المتعلمين ، والفقير الذي بعث الأمل في قلوب اليائسين ، والمسكين الذي قاد سفينة العالم الحائرة إلى شاطئ الله رب العالمين ، والذي عندما أراد ربه الكريم أن يتوج جهوده فيما عاناه في سبيل تقويم البشرية مدحه بقوله " وإنك لعلى خلق عظيم "
يا سيد العقلاء يا خير الورى * يا من أتيت إلى الحياة مبشرا
وبعثت بالقرآن فينا هاديا * وطلعت في الأكوان بدرا نيرا 
والله ما خلق الإله ولا برى * بشرا يرى كمحمد بين الورى


أما قبل : 
الإخوة المسلمون في كل مكان 
أحييكم بتحية من عند الله مباركة طيبة " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته "
وكل عام أنتم بخير ، وأعاد الله عليكم هذه الذكرى العطرة " ذكرى مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام " بالخير واليمن والبركات 

أما بعد :
يقول عز من قائل وهو أصدق القائلين :
" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين "
في أنوار هذه الآية الكريمة لنا وقفات ، لعلنا نتعلم منها حكمتها وغايتها ، ونحاول أن نستنير بنورها ، ونعمل بما جاء فيها ، لنكون من السعداء بإذن الله في الدنيا والآخرة

" رحمة للعالمين "
نعم
حمل رسولنا - صلى الله عليه وسلم - رسالة الرحمة ورسالة السلام 
للعالمين أجمعين بلا تفرقة ولا تمييز 
لا بجنس ولا بلون ولا بمال ولا بسلطان ولا بدين
وكيف لا وهو القائل " من غشنا فليس منا ، ومن حمل علينا السلاح فليس منا " ؟ ، وهو القائل : " المسلم من سلم الناس من يده ولسانه ، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم " ؟
وهو القائل : " سباب المؤمن فسوق ، وقتاله كفر "
نعم
هو الذي قابل الذين أذوه ، وأهانوه وشتموه ، وكذبوه وعنفوه ، ومن بلده طردوه وأخرجوه ، قابلهم يوم أن أمكنه الله منهم ، قابلهم بقوله :
" اذهبوا فأنتم الطلقاء " 

كان صلى الله عليه وسلم رحمة للمجتمعات ؛ إذ أنها لا تستقيم بالقوانين والدساتير وحدها ، بل لا بد من أن تحاط بسياج من الأخلاق الكريمة ، والسلوكيات القويمة ، فقال- صلى الله عليه وسلم - : 
" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " وقال " البر حسن الخلق "
بل إنه وعد ذوي الأخلاق الكريمة وعدا لم يعده غيرهم من الناس فقال : " إن من أقربكم مني منزلا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا "
وقال : " إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم "

كان صلى الله عليه وسلم رحمة للكبار والصغار : 
فقال - صلى الله عليه وسلم - " من لا يرحم صغيرنا ، ولا يعرف حق كبيرنا ، فليس منا " ، وهو القال : " إن من إجلال الله توقير العالم ، وحامل القرآن ، وذي الشيبة الكبير "

كان رحمة للضعاف في المجتمع :
فقال - صلى الله عليه وسلم - " اتقوا الله في الضعيفين ، اليتيم والمرأة العجوز "




كان رحمة لليتامى :
فقال - صلى الله عليه وسلم - " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ، وأشار بأصبعيه الوسطى والسبابة ، وفرج بينهما "
وبشر كافل اليتيم بقوله " زاحمت كتفه كتفي "
وقال أيضا " الساعي على الأرملة واليتيم كالمجاهد في سبيل الله ، وكالصائم لا يفطر ، والقائم لا يفتر "


كان رحمة للمظلومين : 
فقال - صلى الله عليه وسلم - : " واتق دعوة المظلوم ؛ فليس بينها وبين الله حجاب " ، " وقال : " اتقوا الظلم ؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة " ، في أبلغ حث ووعظ للمجتمع على إقامة العدل ، وتجنب الظلم ، والوقوف بجانب المظلوم حتى يأخذ حقه
نعم 
" انصر أخاك ظالما أو مظلوما "
فكما أن نصر المظلوم بالوقوف معه وإعانته على إرجاع حقه ، فإن نصر الظالم بإبعاده عن الظلم ومنعه عنه ، ليكون ذلك خيرا له في دنياه وآخرته 


كان رحمة للعبيد والمأجورين :
فقال - صلى الله عليه وسلم - " من كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه ما يلبس ، ولا تكلفوهم من الأعمال ما لا يطيقون "
وقال : " أعط الأجير حقه ، قبل أن يجف عرقه "

كان رحمة للنساء : 
فقال - صلى الله عليه وسلم - " النساء شقائق الرجال ، لا تبخسوهن شيئا مما كتب لهن " ، وقال : " ما أكرمهن إلا كريم ، وما أهانهن إلا لئيم "
وقال : " 


كان رحمة لغير المسلمين :
فقال - صلى الله عليه وسلم - : " من ظلم معاهدا أو ذميا ، أو كلفه فوق طاقته ، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس ، فأنا خصيمه يوم القيامة "
وهو القائل : " استوصوا بالقبط خيرا ، فإن لهم نسبا وصهرا "

كان رحمة للجيران
فقال - صلى الله عليه وسلم - : " والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، قيل من يا رسول الله ؟ ، قال : الذي لا يأمن جاره بوائقه " أي شروره ، وفي رواية " من بات شبعان وجاره جائع ، وهو يعلم "
وذكرت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة بأنها كانت صوامة قوامة " أي تصوم النهار وتقوم الليل " ، ولكنها كانت تؤذي جيرانها
فقال - صلى الله عليه وسلم - : " لا خير فيها ، هي في النار "

كان رحمة للبهائم :
فقال صلى الله عليه وسلم : " في كل كبد رطبة أجر "
وهو القائل : " دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت ، لا هي أطعمتها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض "
وهو القائل : : بينما رجل يمشي بطريق إذ اشتد عليه العطش ، فوجد بئرا ( فنزل فيها ) ، فشرب فخرج ، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني ، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه حتى رقى ، فسقى الكلب ، فشكر الله له فغفر له . فقالوا : يا رسول الله ، وإن لنا في البهائم لأجرا ؟ قال : في كل كبد رطبة أجر . "
وهو الذي مر يوما على حائط أي على بستان ، فرأى جملا ، فقال : لمن هذا البعير ؟ ، قالوا : يا رسول الله إنه لفتى من الأنصار ، فقال -صلى الله عليه وسلم - : " اتقوا الله في هذا البعير ؛ إنه يشكو إليّ أنك تجيع بطنه ، وتحمل على ظهره ما لا يطيق "
وهو الذي كان جالسا يوما مع أصحابه ، فحلقت فوق مجلسه قبرة تصيح ( وهي طائر صغير دون الحمامة ) ، فعرف - صلى الله عليه وسلم - أنها تستغيث ، فقال " من فجع هذه في أولادها ؟ ، ردوا عليها 
فراخها " ، وكان بعض أصحابه قد اقتحم عشها ، وأخذ صغارها ، فردوهم إليها 
وقد أخذ الشاعر هذا المعنى فقال :
جاءت إليك حمامة مشتاقة * تشكو إليك بقلب صب واجفِ
من أخبر الورقاء أن مكانكم * حرم وأنك ملجأ للخائف


هو الذي أشاع في الناس حب العطاء والبذل ، والجود والكرم
فكان أجود الناس ، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة
وهو الذي علم فقال : " اتقوا النار ولو بشق تمرة "

هو الذي أشاع الألفة والمحبة والمودة 
فقال : الكلمة الطيبة صدقة "
وقال : " تبسمك في وجه أخيك صدقة "

هو الذي علمنا حب الأوطان 
وعلمنا كيف يكون الوفاء 
فوقف دامع العين على مشارف البلد الحرام ، وهو يومها طريد من مكة ، راحل عنها ، وقال : " والله إنك لأحب بلا د الله إليّ ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت "
فأية أخلاق ؟ .. وأية تعاليم ؟





أيها الإخوة الكرام ، أيها الأبناء الأعزاء
هذا غيض من فيض ، وقطرة من بحر 
ولو تكلمنا عن رحمته - صلى الله عليه وسلم - وعن أخلاقه العظيمة لما وسعنا المقام ، ولكنها تذكرة لمن كان له قلب ، أو ألقى السمع وهو شهيد " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين "

إن من يزعم أنه مسلم ومحب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يتبع هديه ، ولا يتخلق بأخلاقه ، فعليه أن يراجع نفسه ، ويعود إلى ربه ، وإن محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن يوما بالاحتفال بذكرى مولده ، ولم تكن يوما بالحلوى والأناشيد والكلام مجرد الكلام ، بل بالعودة إلى تعاليمه ، وبمعرفة كيف نراقب الله في السر والعلن ، أن نكون صادقين مع أنفسنا ، ومع غيرنا ، أن نحمل للعالم أجمعه رسالة السلام والرحمة والمحبة ، فبذلك نرضي الله والناس ، ونشرف نبينا -صلى الله عليه وسلم - ، ونرفع ذكره بين الأمم ؛ فهو القائل " فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة " .
بلغ العلا بجلاله
كشف الدجى بجماله
عظمت جميع خصاله
صلوا عليه وآله

هذا ومرة أخرى
كل عام أنتم بخير
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


انتهى وكتبه 
الطيب سيد أحمد محمد
شنهور – قوص
الخميس
الثاني عشر من ربيع الأول من عام تسعة وثلاثين وأربعمائة وألف
بعد هجرة سيد المرسلين – صلى الله عليه وسلم -
 

_________________



علاج الأمراض الروحانية

علاج لكل الأمراض الروحية

إلى كل من ابتلي بالمس والسحر والعين والحسد والضيق والاكتئاب ....


عالج نفسك بنفسك

الزم هذا الورد بعد كل صلاة
أو زد على ذلك ما استطعت
اقرأه قبل النوم
وبعد الاستيقاظ من النوم 
وقبل كل عمل
وقبل خروجك من بيتك
وعند عودتك إليه
عند دخولك إلى عملك
وعند رجوعك منه
وفي كل وقت
ردده ما استطعت إلى ذلك سبيلا

وهو ورد نافع بإذن الله
جربه الكثيرون 
فشفاهم الله - تعالى - بحسن التوكل عليه واللجوء إليه
والاعتماد عليه
والصبر على الأذى والابتلاء
ابتغاء مرضاته

هو ورد من كتاب الله
ومن دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم - 
وهذا هو :

- أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه ( ثلاثا )

- بسم الله الرحمن الرحيم ( ثلاثا )

- الصلاة على الرسول بصيغة الصلاة الإبراهيمة ( ثلاثا )

- اللهم إنا نجعلك في نحورهم 
ونعوذ بك من شرورهم
اللهم أنت عضدي وأنت نصيري
بك أصول وبك أحول وبك أقاتل ( مرة )

- حسبنا الله ونعم الوكيل ( ثلاثا )

- الفاتحة ( مرة )

- آية الكرسي ( 21 مرة )

- الإخلاص ( قل هو الله أحد ) ( 21 )

- الفلق ( ثلاثا )
- الناس ( ثلاثا )

- بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم
( 11 مرة )

داوم على هذا الورد 
مع صدق التوكل على الله والاستعانة به
والرغبة إليه والتعلق بحبله والدعاء بالشفاء لك ولكل مرضى المسلمين
وسترى الفرق بإذن الله

جزى الله خيرا من أعان على نشرها
وجعلها في ميزان حسناتنا جميعا وبالله التوفيق
 

_________________



النبي محمد في الديانة الهندوسية

 

النبي محمد في الديانة الهندوسية

 منذ حوالي أربعة آلاف سنة

ـــــــــــــــــ

ثمة حقيقة يؤكدها المؤرخون ودارسو مقارنة الأديان مؤداها :

أن ما بين أصحاب الديانات الوضعية من كتب هي نتاج تراث بشري متراكم اشتركت فيه عهود متباينة  فيه بعض من بقايا الوحي الإلهي المنزل على أنبياء سابقين وإن كان قد وصل في كثير من الأحوال إلى درجة عالية من التحريف والتشويش ، لكن بقيت فيه بعض إشارات مما نطق به بعض الأنبياء وحيا من الله  ، وكثير من عبارات هذه الكتب وكثير من تعاليمها توافق ما في أيدي أهل الكتب السماوية ، مما يعطي شيئا من المصادقية  لهذه الفرضية السابقة

 

  ومن العجيب أن نجد اسم سيد الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يرد في كتاب ( الفيدا ) الهندوسي منذ أربعة آلاف سنة

وهناك آلاف الهندوس دخلوا في الإسلام بسبب هذه البشارة ، وهناك أيضا الكثير منهم من الغافلين الذين لا يزالون ينتظرون قدوم هذا الرسول العظيم !!

1- ورد في كتاب ( الفيدا) أعظم كتب الهندوس أن رسول آخر الزمان ( كلكي) الذي يترجم  حرفيا إلى كثير الحمد ، أي ما يقابل معنى اسم محمد ، يولد من (سومتي) لرجل اسمه ( ويشنو  ويش) .

ومعنى سومتي: آمنة، ومعنى ويشنو: الله ، ومعنى ويش: عبد، فيكون معنى ويشنو ويش: عبد الله. وقد تكرر ذكر اسم والده مرتين في كتابين آخرين.

وبالإجمال فإننا نجد البشارة بالنبي محمد في الكتب الهندوسية القديمة تضع له هذه الأوصاف :

1- اسمه : الذي يحمد أكثر من الجميع " محمد ".

2- اسم أبويه : آمنة وعبد الله.

3- يولد في البلد الأمين أو الآمن لـعبد الله في بيت سيد البلد ورئيسها الديني وهو ما ينطبق على "  عبد المطلب ".

4- يولد في اليوم الثاني عشر من شهر بيساك أي ربيع الأول .

5- يأتي في زمن يركب فيه الفرس والبعير.

6- يموت والده قبل ولادته، وتموت أمه بعد وفاته بزمن قريب.

7- يذهب لكي يتعبد ويتلقى العلم في غار في جبل من ( برشورام ) وهو اسم ملك عند الهندوس، ومعناه أيضا: " روح القدس ".

8- يبدأ الدعوة في البلد الآمن الواقعة في جزيرة عرب، فيؤذيه أهل البلد حتى يهاجر إلى بلدة  في الشمال تحيط بها الجبال، ويعود بعد مدة إلى مدينته ومعه السيف فيفتحها ويفتح البلاد كلها.

9- يُعطى ( كلكي ) فرسا طيارا أسرع من البرق، فيركبه ويسير به في الأرض والسموات السبع.

( الإسراء والمعراج )

10- يقاتل أعداء الدين بالسيف، ويكبتهم ويكبت عشرات الملايين من الأشرار والخبثاء، المتسترين بزي الملوك والحكام.

11- ينصر بالملائكة في الحروب .

( غزوة  بدر مثالا )

12- يكبت الشياطين بأربعة مساعدين أو مؤيدين

 ( الخلفاء الراشدون ).

13- عدد كبار الرسل أربعة وعشرون، وإن ( كلكي ) هو آخرهم وخاتمهم.

( من ذكروا في القرآن الكريم 25 رسولا )

14- يكون جميلا باهر الجمال.

15- يفوح من جسد  " كلكي " أطيب ريح، يعطر الهواء، وينشئ الفرحة في النفوس.

( قال أنس – رضي الله عنه - : ما شممت مسكا ولا عنبرا أطيب من ريح رسول الله ، ولا مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف رسول الله )

16- يطلع على أمور الغيب ويخبر بها.

 ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى )

17- يكون شريف النسب.

 ( .. فأنا خيار من خيار من خيار )

18- يكون قوي الجسد.

( يقول عمر – رضي الله عنه - : كنا إذا اشتدت الحرب وحمي الوطيس نختبئ خلف ظهر رسول الله )

19- يكون قليل الكلام

( قالت السيد عائشة – رضي الله عنها – كنا نعد كلمات رسول الله )

20- يكون جوادا يكثر من التصدق بالمال.

( قال ابن عباس – رضي الله عنه - : كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أجود الناس وكان أجود بالخير من الريح المرسلة ، وكان أجود كما يرى في رمضان )

21- يكون حكيما وبعيد النظر.

 ( يتضح ذلك من معالم سيرته – صلى الله عليه وسلم -)

22- يتزوج من اثنتي عشرة امرأة

( هناك رواية تقول بأن الحبيب المصطفى تزوج من ريحانة بنت زيد فأصبح عدد زوجاته اثنتي عشرة زوجة  ).


في فضل العزلة

من سكت سلم
ومن اعتزل نجا
" ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - :
" والله إن أغبط الناس عندي لأعرابي في هذه البرية تقي غني يقيم الصلاة
لم يدخل في شيء من هذه الأهواء "
* الزهد للبيهقي
...

- قال عبد الله بن مرزوق :
قلت لسفيان الثوري - رحمه الله - : أين ترى أن أنزل ؟
قال : " بمر الظهران، حيث لا يعرفك إنسان"
* العزلة لابن أبي الدنيا
...

- وقال مهدي بن ميمون :
" لولا مخافة الوسواس، لدخلت إلى بلاد لا أنيس بها، وهل يفسد الناس إلا الناس ؟! "
* المداراة لابن أبي الدنيا

...
وهذه وصية الإمام ابن وضّاح المالكي المتوفى سنة ٢٠٠ هـ

لصاحبه ابن مسرة : 
قال وهب بن مسرة : لما ودعت محمد بن وضاح قلت له : أوصني
فقال : " أوصيك بتقوى الله ، وبر الوالدين ، وبحزبك من القرآن فلا تنسه ، وفر من الناس ؛ فإن الكذب بين اثنين ، والحسد بن اثنين ، والنميمة بين اثنين ، والواحد من هذا سليم . "
* ترتيب المدارك للقاضي عياض .
ـــــــــــــــــــ

الخوف من الله

قال الأصمعي :

بينما أنا أطوف بالبيت ذات ليلة إذ رأيت شابًا متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول:


يا من يجيب دُعا المضطر فى الظُّـلَم

 

يا كاشف الضُّرِّ و البلوى مع السّقَمِ


قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا

 

وأنت يا حيّ يا قيوم لم تنمِ


أدعوك ربي حزينًا هائمًا قلقًا


فارحم بكائي بحق البيت والحرم


إن كان جودك لا يرجوه ذو سَفَهٍ


فمن يجود على العاصين بالكرمِ؟
***
ثم بكى بكاءً شديدًا و أنشد يقول :


ألا أيها المقصود فى كل حاجتي


شكوت إليك الضّر فارحم شكايتي


ألا يا رجائي أنت تكشف كربتي

 

فكفّر ذنوبي كلها واقض حاجتي


أتيت بأعمال قباحٍ رديئة


وما فى الورى عبد جنى كجنايتي


أتحرقني بالنار يا غاية المنى


فأين رجائي ثم أين مخافتي
***
يقول الأصمعي : 
فدنوت منه .... فإذا هو زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله

عنهم أجمعين ...

فقلت له: سيدي ما هذا البكاء والجزع .. وأنت من أهل بيت النبوة ومَعدِن الرسالة؟

أليس الله تعالى يقول: {إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم

تطهيرًا}.

فقال: هيهات هيهات يا أصمعي إن الله خلق الجنة لمن أطاعه.. ولو كان عبدًا حبشيًا...

وخلق النار لمن عصاه ولو كان حرًا قرشيًا... أليس الله تعالى يقول: (فإذا نفخ فى

الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون * فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون

* ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم فى جهنم خالدون)

فضل العلم

( وقل رب زدني علما )
- قال ابن حجر : 
" وهذا واضح الدلالة في فضل العلم ؛
لأن الله لم يأمر نبيه بطلب الازدياد من شيءٍ إلا من العلم "
* فتح الباري
ــــــــــــــــــــــــــــــ
- قال أبو الدرداء - رضي الله عنه - :
" من رأى الغدوَّ والرواح إلى العلم ليس بجهاد، فقد نقص عقله ورأيه. "
* جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر
. ــــــــــــــــــــــــــــــ
- عن القاضي أبي يوسف - وهو محمد بن الحسن الشيباني - ، قال :
" مات لي ابن ، فأمرتُ رجلا أن يتولى أمر دفنه ،
ولم أدع مجلس أبي حنيفة ؛ خفت أن يفوتني منه يوم "
ــــــــــــــــــــــــــــــ
- قال الشافعي : 
" طلب العلم أفضل من صلاة النافلة " 
* العلم ولذته - خالد السلفي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- قال ابن دقيق العيد - رحمه الله - :
" فإنه لما كان طلب العلم على كل مسلم واجبًا ،
اخترت أن أكون من طلبته،
فإن لم أمُت عالمًا مِتُّ طالبًا "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" طلب العلم أفضل من قيام الليل؛
لأن طلب العلم كما قال الإمام أحمد لا يعدله شيء لمن صحت نيته،
وذلك بأن ينوي به رفع الجهل عن نفسه وعن غيره "
* فتاوى ابن عثيمين

حديث العطر



كان لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بَريدٌ ( وهو حامل الرسائل )

وكان يَختلِفُ بينَه وبينَ ملِكِ الرومِ.

وإنَّ امرأةَ عمرَ - رضي الله عنه - استقرَضَتْ دينارًا، فاشترتْ به عِطرًا، فجَعلَتْه في قواريرَ، فبعَثتْ به مع البَريدِ إلى امرأةِ ملِكِ الرومِ.

فلما أَتاها به فَرَّغَتهن، ومَلَأَتْهن جوهرًا، وقالت: اذهَبْ به إلى امرأةِ أميرِ المؤمنينَ عمرَ.

فلمَّا أَتاها به فَرَّغَتْهن على بِساطٍ لها.

فدَخلَ عمرُ على تَفيئةِ ( أي على إثر ) ذلك، فقال: ما هذا يا هذه؟

قالت: إني استَقرَضْتُ مِن فلانٍ دينارًا، فاشتريتُ به عِطرًا، فجعلتُه في قواريرَ، وبعثتُ به- تَعْني: مع بَريدِك- إلى امرأةِ ملكِ الرومِ، فأَرسَلتْ به إليَّ.

فقال عُمرُ عندَ ذلك: يا فلانُ، خُذْ هذا فاذهبْ به، فبِعْه، فاقْضِ فلانًا دِينارًا، واجعَلْ بقيَّتَه في بيتِ مالِ المسلمينَ؛ ليس آلُ عمرَ أحقَّ به مِن المسلمينَ!

 

 

 

حديث السفطين



حَدِيثُ السَّفَطَيْنِ

عن منصورِ بنِ المعتمرِ، قال: حدثني شَقيقُ بنُ سلَمةَ الأسديُّ، عن الرسولِ الذي جَرى بينَ عمرَ بنِ الخطَّابِ - رضي الله عنه - وسلَمةَ بنِ قيسٍ الأشجَعيِّ؛ قال:

ندَب عمرُ بنُ الخطابِ الناسَ مع سَلَمةَ بنِ قيسٍ الأشجَعيِّ بالحَرَّةِ إلى بعضِ أهلِ فارسَ، وقال: انطَلِقوا باسمِ اللهِ، وفي سبيلِ اللهِ؛ تُقاتِلون مَنْ كفَر باللهِ، لا تغُلُّوا، ولا تَغدِروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تَقتُلوا امرأةً، ولا صَبيًّا، ولا شيخًا هِمًّا ( وهو الكبير الفاني )، وإذا انتهيتَ إلى القومِ فادْعُهم إلى الإسلامِ والجهادِ؛ فإن قَبِلوا فهُم منكم؛ فلَهُمْ ما لكم، وعليهم ما عليكم، وإن أَبَوْا فادْعُهم إلى الإسلامِ بلا جِهادٍ؛ فإن قَبِلوا فاقبَلْ منهم، وأَعْلِمْهم أنَّه لا نَصيبَ لهم في الفيءِ، فإن أبَوا فادعُهم إلى الجزيةِ، فإن قَبِلوا فضَعْ عليهم بقَدْرِ طاقتِهم، وضَعْ فيهم جيشًا يُقاتِلُ مِن ورائِهم، وخَلِّهم وما وضَعْتَ عليهم؛ فإن أبَوْا فقاتِلْهم، فإن دعَوْكم إلى أن تعطوهم ذِمَّةَ اللهِ وذِمَّةَ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فلا تُعطوهم ذِمَّةَ اللهِ ولا ذِمَّةَ محمَّدٍ، ولكن أَعْطوهم ذِمَمَ أنفُسِكم، ثم فُوا لهم، فإن أَبَوا عليكم فقاتِلوهم؛ فإنَّ اللهَ ناصرُكم عليهم.

قال سلمة بن قيس: فلما قَدِمْنا البلادَ دعَوناهم إلى كلِّ ما أَمَرَنا به، فأبَوا، فلمَّا مسَّهم الحَصْرُ ( أي الحصار والتضييق )، نادَونا: أَعْطُونا ذِمَّةَ اللهِ وذِمَّةَ محمَّدٍ! فقُلنا: لا، ولكنَّا نُعطيكم ذِمَمَ أنفُسِنا، ثم نَفِي لكم. فأَبَوا، فقاتَلْناهم، فأُصيب رجلٌ مِن المسلمينَ، ثم إن اللهَ فتَح علينا، فملَأ المسلِمونَ أَيديَهم مِن متاعٍ ورقيقٍ وَرِقَةٍ ( الفضة؛ والمراد: الدراهم المضروبة ) ما شاؤوا.

ثم إن سَلَمةَ بنَ قيسٍ أميرَ القومِ دخَل، فجعَل يتخَطَّى بيوتَ نارِهم، فإذا بسَفَطَينِ ( أي صندوقين )مُعلَّقينِ بأعلى البيتِ، فقال: ما هذان السَّفَطانِ؟ فقالوا: أشياءُ كانت تُعَظِّمُ بها الملوكُ بيوتَ نارِهم، فقال: أَهْبِطوهما إليَّ. فإذا عليهما طَوابعُ [أختام] الملوكِ بعدَ الملوكِ؛ قال: ما أَحسَبُهم طَبَعوا إلَّا على أَمْرٍ نفيسٍ، عَلَيَّ بالمسلمينَ.

فلما جاؤوا أَخبرَهم خبرَ السَّفَطَينِ، فقال: أَردتُّ أن أَفُضَّهما بمَحضَرٍ منكم، ففَضَّهما، فإذا هما مملوءانِ جَوْهرًا لم يُرَ مِثلُه- أو قال: لم أَرَ مثلَه- فأَقبَل بوجهِه على المسلمينَ، فقال: يا معشرَ المسلمينَ، قد عَلِمْتُم ما أَبْلاكم اللهُ في وَجْهِكم هذا، فهل لكم أن تَطِيبوا بهذينِ السَّفَطينِ أَنفُسًا لأميرِ المؤمنينَ لحوائِجِه وأمورِه وما يَنتابُه؟ فأَجابوه بصوتِ رجلٍ واحدٍ: إنا نُشهِدُ اللهَ أنَّا قد فعَلْنا، وطابتْ أَنفسُنا لأميرِ المؤمنينَ.

قال شقيق بن سلمة: فدعاني، فقال: قد عهِدتَّ أميرَ المؤمنينَ يومَ الحَرَّةِ، وما أَوْصانا، وما اتَّبَعْنا مِن وصيتِه وأَمْرَ السَّفَطينِ، وطِيبَ أنفُسِ المسلمينَ له بهما، فأْتِ بهما إلى أميرِ المؤمنينَ، واصدُقْه الخبرَ، ثم ارجِعْ إليَّ بما يقولُ لك. فقلتُ: ما لي بُدٌّ مِن صاحبٍ. فقال: خُذْ بيَدِ مَن أَحببتَ. فأَخذتُ بيدِ رجلٍ مِن القومِ، فانطلَقْنا بالسَّفَطينِ نَهُزُّهما حتى قَدِمْنا بهما المدينةَ، فأَجلَسْتُ صاحبي مع السَّفَطينِ، وانطلَقْتُ أطلبُ أميرَ المؤمنينَ عمرَ رضي الله عنه، فإذا به يُغدِّي الناسَ وهو يَتوكَّأُ على عُكَّازٍ، وهو يقولُ: يا يَرْفَأُ ( وهو مولى عمر وخادمه )، ضَعْ هاهنا! يا يَرْفَأُ، ضَعْ هاهنا! فجلَستُ في عُرْضِ القومِ لا آكُلُ شيئًا، فمَرَّ بي، فقال: ألا تُصيبُ مِن الطعامِ؟ فقلتُ: لا حاجةَ لي به. فرأى عمرُ الناسَ وهو ( أي: خادمه ) قائمٌ عليهم يَدورُ فيهم، فقال: يا يَرْفَأُ، خُذْ خُونَك ( أي موائدك ) وقِصاعَك.

ثم أَدْبَر فاتَّبعتُه، فجَعَلَ يَتخلَّلُ طريقَ المدينةِ حتى انتهى إلى دارٍ قَوْراءَ ( أي واسعة ) عظيمةٍ، فدخَلها، فدخَلتُ في إثرِه، ثم انتهى إلى حُجرةٍ مِن الدارِ فدخَلها، فقُمتُ مَلِيًّا حتى ظنَنتُ أنَّ أميرَ المؤمنينَ قد تمكَّنَ في مجلسِه، فقلتُ: السلامُ عليك. فقال: وعليكَ، فادخُلْ. فدخلتُ، فإذا هو جالسٌ على وِسادةٍ مُرْتَفِقًا أُخرى، فلما رآني نَبَذَ إليَّ التي كان مُرتفِقًا، فجلَستُ عليها، فإذا هي تَغرِزُني، فإذا حَشْوُها لِيفٌ، قال: يا جاريةُ، أَطْعِمينا. فجاءتْ بقَصعةٍ فيها فِدَرٌ مِن خُبْزٍ يابسٍ، فصَبَّ عليها زيتًا، ما فيه مِلحٌ ولا خَلٌّ، فقال: أمَا إنها لو كانت راضيةً أَطعَمَتْنا أطيبَ مِن هذا. فقال لي: ادْنُ. فدنوتُ، قال: فذهبتُ أَتناوَلُ منها فِدْرةً، فلا واللهِ إنِ استطعتُ أن أُجيزَها، فجعلتُ أَلُوكُها مَرَّةً مِن ذا الجانبِ، ومرةً مِن ذا الجانبِ، فلم أَقدِرْ على أن أُسيغَها، وأَكَلَ أَحسنَ الناسِ إكْلةً، إن يَتعلَّقُ له طعامٌ بثوبٍ أو شعرٍ ( أي: لايتعلق الطعام بثوبه ولا شعره ) ، حتى رأيتُه يَلطَعُ ( أي يلحس ) جَوانبَ القَصعةِ.

ثم قال: يا جاريةُ، اسقِينا. فجاءتْ بسَوِيق سُلْتٍ ( وهو نوع من الحبوب )، فقال: أَعْطِيه، فناوَلَتْنِيه، فجعَلتُ إذا أنا حَرَّكتُه ثار له قُشارٌ ( أي قشر رقيق )، وإن أنا تَركتُه نثِدَ ( أي سكن وركد ) ، فلما رآني قد بَشِعتُ ضَحِكَ، فقال: ما لك؟! أَرِنيه إن شِئتَ. فناولتُه، فشَرِبَ حتى وضعَ على جَبهتِه هكذا، ثم قال: الحمدُ للهِ الذي أَطعمَنا فأَشبَعَنا، وسَقانا فأَرْوانا، وجَعلَنا مِن أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم. فقلتُ: قد أَكَلَ أميرُ المؤمنينَ فشَبِعَ، وشَرِبَ فرَوِيَ؛ حاجَتِي جَعلَني اللهُ فِداكَ!

قال شَقيقٌ: وكان في حديثِ الرسولِ إيَّايَ ثلاثةُ أَيمانٍ؛ هذا في موضعٍ منها، قال: للهِ أبوكَ! فمَن أنتَ؟ قلتُ: رسولُ سلَمةَ بنِ قيسٍ.

قال شقيق بن سلمة : فتاللهِ، لكأنما خرجَتْ مِن بطنِه، تحنُّنًا عليَّ وحُبًّا؛ لخَبَرِي عمنْ جِئتُ مِن عندِه! وجعَلَ يقولُ وهو يَزحَفُ إليَّ: إِيهًا للهِ أبوكَ! ( إيها: كلمة تقال للاستزادة فهو يستزيده من الكلام عنهم ) كيف تركْتَ سلَمةَ بنَ قيسٍ؟ كيف المسلمونَ؟ ما صَنَعتُم؟ كيف حالُكم؟

قلتُ: ما تُحِبُّ يا أميرَ المؤمنينَ، فاقتَصصتُ عليه الخبرَ إلى أنهم ناصَبونا القتالَ، فأُصيبَ رجلٌ مِن المسلمينَ، فاستَرجَعَ وبلَغ منه ما شاءَ اللهُ، وتَرحَّمَ على الرجلِ طويلًا.

قلتُ: ثم إن اللهَ فتَح علينا يا أميرَ المؤمنينَ فتحًا عظيمًا، فملأ المسلمون أيديَهم مِن متاعٍ ورَقيقٍ وَرِقةٍ ما شاؤوا؛ قال: وَيْحَك! كيف اللحمُ بها؟ فإنها شجرةُ العربِ، ولا تَصلُحُ العربُ إلا بشجرتِها. قلتُ: الشاةُ بدِرهمينِ، قال: اللهُ أكبرُ! ثم قال: وَيْحَك! هل أُصيبَ مِن المسلمين رجلٌ آخرُ؟ قال: جئتُ إلى ذِكْرِ السَّفَطَينِ، فأخبرتُه خبرَهما.

فحلفَ الرسولُ عندَها يمينًا أخرى: اللهِ الذي لا إلهَ إلا هو، لكأنَّما أُرسِلتْ عليه الأفاعي والأساودُ والأَراقِمُ ( وهي أنواع من الحيات )، أنْ وَثَبَ كمكانِ تِيكَ ( أي وثب لمكان بعيد كأنه لُدغ )، ثم أَقْبلَ عليَّ بوجهِه آخِذًا بحَقْوَيه فقال: للهِ أبوك! وعلى ما يكونانِ لعمرَ؟! واللهِ لَيستقبِلَنَّ المسلمون الظمأَ والجوعَ والخوفَ في نُحورِ العدوِّ، وعمرُ يَغْدو مِن أهلِه ويَروحُ إليهم يَتَّبِعُ أَفياءَ ( أي ظلال ) المدينةِ، ارجِعْ بما جئتَ به، فلا حاجةَ لي فيه، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنه أُبدِعَ بي ( أي ليس معه دابة تحمله ) وبصاحبي فاحمِلْنا. قال: لا، ولا كرامةَ للأَخِرِ! ما جِئْتَ بما أُسَرُّ به فأَحمِلَكَ، قلتُ: يا لَعِبادَ اللهِ! أَيُترَكُ رجلٌ بينَ أَرضينِ؟ قال: أما لولا قُلْتَها، يا يَرْفَأُ، انطلِقْ به، فاحمِلْه وصاحبَه على ناقتينِ ظِهْرِيَّينِ ( أي مُعَدَّتين للطوارئ ) مِن إبلِ الصَّدَقةِ، ثم انخَسْ بهما حتى تُخرِجَهما من الحَرَّةِ.

ثم الْتفَتَ إليَّ فقال: أما لئن شَتَا المسلمون في مَشَاتِيهم قبلَ أن يُقْسَما بينَهم لَأُعذِرنَّ منكَ ومِن صُوَيحِبِك، ثم قال: إذا انتهيتَ إلى البلادِ، فانظرْ أحوجَ مَن ترى مِن المسلمين فادْفَعْ إليه الناقتينِ.

فأَتَيْناه ( أي رجعوا لسلمة بن قيس أمير الجيش ) فأَخبَرْناه الخبرَ، فقال: ادعُ ليَ المسلمينَ. فلما جاؤوا قال: إن أميرَ المؤمنينَ قد وَفَرَكم بسَفَطَيكم، ورآكم أحقَّ بهما منه، فاقتَسِموا على بَركةِ اللهِ. فقالوا: أصلَحكَ اللهُ أيُّها الأميرُ! إنه ينبَغي لهما نظرٌ وتقويمٌ فقِسمةٌ. فقال: واللهِ، لا تَبرَحون وأنتم تَطلُبُونِي منهما بحجرٍ.

فعدَّ القومَ وعَدَّ الحجارةَ، فربما طَرَحوا إلى الرجلِ الحَجَرينِ، وفلَقوا الحَجَرَ بينَ اثنينِ.

 

 

 

من لطائف القرآن

من لطائف القرآن

 

في قوله تعالى : (حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ) الحج/31

فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله ، وتعلق بغيره .

ويجوز لك في هذا التشبيه أمران :

أحدهما : أن تجعله تشبيها مركباً :

ويكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكاً لا يرجى معه نجاة ، فصور حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير في الهواء فتفرق مزعاً في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة.

وعلى هذا لا تنظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به.

الثاني : أن يكون من التشبيه المفرق :

فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به ، وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه ، فمنها هبط إلى الأرض وإليها يصعد منها .

وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين، من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة.

والطير التي تتخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق بالشياطين التي يرسلها سبحانه وتعالى عليه تؤزه أزّاً وتزعجه وتدفعه إلى مظان هلاكه ، فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه ، كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه .

 

والريح التي تهوى به في مكان سحيق : هو هواه الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء .

 

1 2 3 ... 40 41 42  التالي»