البحر المتقارب

 

البحر المُتقَاربُ.

سمي متقاربًا لتقارب أوتاده بعضها من بعض؛ لأنه يصل بين كل وتدين سبب واحد, فتتقارب فيه الأوتاد, وقيل سمي متقاربًا لتقارب أجزائه؛ أي: لتماثلها, وعدم طولها فكلها خماسية.

وزنه : فعولن فعولن فعولن فعولن.... فعولن فعولن فعولن فعولن

1 ـ المتقارب التام

له عروض واحدة صحيحة (فعولن) ويجوز قبضها أو حذفها أو قصرها, ولها أربعة أضرب:

[صحيح (فعولن //0/0),

مقصور (فعولْ //0 0),

محذوف (فعل //0),

أبتر (فع /0)].

 

1 ـ الصورة الأولى: العروض صحيحة والضرب صحيح:

ومنه قول أبي فراس الحمداني:

حللت من المجدِ أعلى مكانِ.... وبلَّغك الله أقصى الأماني

فإنك لا عدِمَتْكَ العلا .... أخٌ لا كإخوةِ هذا الزمانِ

صفاؤك في البعد مثل الدنوِّ.... وودك في القلب مثل اللسانِ

كسونا أخوتنا بالصفاء .... كما كسيت بالكلام المعاني

 

ومنه قول أبي فراس الحمداني:

إذا مررت بأهل القبور.... تيقنتَ أنك منهم غدَا

وإن العزيز بها والذليل.... سواءٌ إذا أُسلما للبلى

غريبين ما لهما مؤنسٌ.... وحيدين تحت طباق الثرى

فلا أملٌ غيرُ عفو الإله .... ولا عملٌ غيرُ ما قد مضى

فإن كان خيرًا فخيرًا تنالُ.... وإن كان شرًّا فشرًّا ترى

ومنه قول ابن زيدون:

يُقَصِّرُ قربك ليليَ الطويلا .... وَيَشْفِي وِصَالُكَ قلبيَ العليلا

وإنْ عصفت منك ريحُ الصُّدودِ.... فقدّتُ نسيم الحياةِ العليلا

 

ومنه قول محمود غنيم:

وأقربُ ساعِ الحياةِ لديَّا .... عشيـةَ أخلـو إلى ولديَّا

إذا أنا أقبلتُ يهتف باسمي.... الفطيمُ ويحبو الرضيعُ إليَّا

فاُجْلِسُ هذا إلى جانبي .... وأُجْلِسُ ذاك علـى ركبتيَّا

 

 

 

• بحر المتقارب المجزوء :

وهو يتكون من ست تفعيلات, ثلاثٌ في كل شطر:

فعولن فعولن فعولن ... فعولن فعولن فعولن

له عروض واحدة محذوفة (فعل//ه) وضربان: محذوف (فعل//ه), وأبتر (فع /ه).

1 ـ الصورة الأولى : العروض محذوفة والضرب محذوف:

ومنها قول كُشَاجِم :

جعلت إليك الهوى

شفيعًا فلم تشفعي

وناديتُ مستعطفًا

رضاك فلم تسمعي

أتاركتي مدنفًا

أخا جسدٍ موجعِ

جفيتِ وأقصيتني

فهلا وقلبي معي

 

ومنها قول الشاعر :

أأحرم منك الرضا

وتذكرُ ما قد مضى ؟

وتعرض عن هائمٍ

أبى عنك أن يعرضا

قضى الله بالحب لي

فصبرًا على ما قضى

 

ومنها قول الشاعر :

لنا صاحبٌ لم يزل

يعللنا بالأمل

ويمطلنا في الهوى

فنصبر رغم الملل

ونمنحه ودنا

فيلهو به في جذل

عفا الله عن ظالمٍ

أساء إلي من عدل

 

2 ـ الصورة الثانية : العروض محذوفة والضرب أبتر :

ومنها قول الشاعر :

إذا زرتنا منعمًا

فأهلا وسهلا بكْ

وكل الذي عندنا

وكل هوانا لكْ

 

تقطيع البيت الأول :

إذا زرتنا منعمًا ... فأهلا وسهلا بكْ

إذا زر/ تنا من / عمن ... فأهلن / وسهلن / بكْ

//ه/ه //ه/ه //ه ... //ه/ه //ه/ه /ه

فعولن / فعولن / فعو ... فعولن / فعولن / فعْ

صحيح/ صحيح/محذوفة ... صحيح / صحيح / أبتر

 

ومنها قول الشاعر:

تعفف ولا تبتئس : فما يُقضَ يأتيكا

الفعل المضارع بعد كيما

الفعل المضارع بعد كيما

مسألة في الفعل المضارع بعد (كيما)، فما الصواب فيه الرفع أم النصب؟ وإن جاز الوجهان فما الأفصح؟ فقد رأيت من يخطّئ نصب المضارع بعدها.

.

الجواب:

الفعل المضارع بعد "كيما" جائز فيه الرفع والنصب شعرًا ونثرًا، ولا يحقّ لأحدٍ تخطئة أحد الوجهين، كما لا يحق له أن يقصره على الضرورة الشعرية، أو أن يقول إن وجهًا منهما ليس فصيحًا، بل كلاهما فصيح، فقد تكلّم فصحاء العرب وأشعرُ شعرائهم بالوجهين، فمِن نصب المضارع بعد كيما قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم:

(اعملوا بالقرآن ، أحلوا حلاله وحرموا حرامه ، واقتدوا به ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي، كيما يخبروكم)

أخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد 

وقد جاء الفعل (يخبروكم) منصوبًا.

ومن الرفع قول عنترة:

شَكَت سَقَماً كَيما تُعادُ وَما بِها

سِوى فَترَةِ العَينَينِ سُقمٌ لِعائِدِ. 

فقد جاء الفعل (تعاد) مرفوعًا، وهذان الشاهدان يؤكّدان جواز الرفع والنصب بلا ضرورة، فالحديث نثر، ورفع الفعل المضارع في بيت عنترة ليس ضرورةً لأن النصب لا يكسر الوزن. وقد خُرِّجَ الرفعُ على أنّ (ما) مصدرية، والمصدر المؤوّل مجرور بحرف الجرّ (كي)، وكي تختص بجرّ المصدر المؤول ولا تجرّ الاسم الصريح، فعَلى هذا التخريج يُرفع المضارع بعد (كيما) لتجرّده من الناصب والجازم.

وأمّا النصب بعدها فقد خُرِّجَ على أن (ما) زائدة، والمضارع بعدها منصوب بالحرف (كي) أو باللام المقدّرة قبلها. ومن هنا أقول: إذا سُبِقَتْ (كيما) باللام "لكيما" امتنعَ رفع المضارع بعدها وتعيّن النصب لامتناع أن تكون (ما) مصدريّة وتعيُّن زيادتها، وذلك لأن (كي) إذا سبقت باللام كانت مصدريّة لأن حرف الجر لا يدخل على حرف الجر، وإذا كانت (كي) مصدرية امتنع أن تكون (ما) مصدرية، وعندها يجب نصب الفعل المضارع بعدها ويمتنع رفعه.

وكلُّ الشواهد تدلّ على أن الفعل المضارع بعد (لكيما) واجب النصب، ولم يرد شاهدٌ على رفعه، نحو قول مدرك بن حصين الأسدي:

أردتِ لكيما تضمديني وصاحبي

ألا لا، أحبّي صاحبي ودعيني

والضّمد في اللغة هو أن تخادن المرأةُ مع زوجها رجلًا آخر أو رجلين، وكان هذا معروفًا في الجاهليّة.

.

ونحو قول جميل بثينة:

حَلِفتُ لِكَيما تَعلَميني أَصادِقًا

وَلَلصدقُ خَيرٌ في الأُمورِ وَأَنجَحُ

.

وقول المرقّش الأكبر:

وأنطيتُهُ سيفي لكيما أقيمَهُ

فلا أوَدًا فيه استنبتُ ولا خَضْدا

وقوله (أنطيته) ممّا يُعرَف باستنطاء هُذيل، وهو إبدال العين نونًا.

.

وقول عنترة:

فَسَلي لِكَيما تُخبَري بِفَعائِلي

عِندَ الوَغى وَمَواقِفِ الأَهوالِ

.

وإن كان أحدٌ قد خطّأ النصب بعد "كيما" فعليه أن يعلم أن النصب بعدها أكثر من الرفع في كلام العرب، وإن كان كلاهما فصيحًا، ولذا أنصحُ بالنصب عند الاختيار، فمنه قول أبي ذؤيب الهذلي:

تريدين كيما (تضمديني) وخالدا

وهل يجمع السيفان ويحك في غمدِ

.

وقول الحطيئة:

وقد مدحتكم عمدًا لأرشدكم

كيما يكونَ لكم متحي وإمراسي

.

وقول أعشى تغلب "وهو شاعر أموي غير الأعشى صاحب المعلقة":

حثّتْ سلامةُ للفراق جِمالَها

كيما تبينَ ولا نحِبُّ زيالَها

.

وقول العباس بن مرداس:

عَمَدتَ إِلى قَدرٍ لِقَومِكَ تَبتَغي

لَهُم شَبَها كَيما تَعِزَّ وَتَغلِبا

.

وقول عمر بن أبي ربيعة:

كَيما يَقولَ مُحَدَّثٌ لِجَليسِهِ

كَذَبوا عَلَيها وَالَّذي سَمَكَ العُلى

.

وقول أبي طالب بن عبد المطلب:

جَزى اللَهُ عَنّا عَبدَ شَمسٍ وَنَوفَلًا

وَتَيمًا وَمَخزومًا عُقوقًا وَمَأثَما

بِتَفريقِهِم مِن بَعدِ وُدٍّ وَأُلفَةٍ

جَماعَتَنا كَيما يَنالوا المَحارِما

.

وقول ذي الرمة:

ولما شكوتُ الحبَّ كيما تثيبَني

بوجدي قالت إنما أنت تمزح

.

ومن رفع المضارع بعد (كيما) قول قيس بن الخطيم:

إذا أنت لم تنفعْ فضُرَّ فإنما

يُرجّى الفتى كيما يضرُّ وينفعُ

.

وقول زياد بن حنظلة التميمي:

فلما رأى الفاروقُ أزمانَ فتحها

سما بجنود الله كيما يصاولُه

.

وقول عمر بن أبي ربيعة:

كَيما تَجُرُّ بِنا ذَيلاً فَتَطرَحنا

عَلى الَّتي دونَها مُغبَرَّةٌ سوحُ

.

وخلاصة القول أن الفعل المضارع بعد (كيما) جائز فيه الرفع والنصب، وبعد (لكيما) نصبه واجب والرفع ممتنع.

والله تعالى أعلم

________________________________

1 - تحفة الذاكرين للشوكاني 

2- ديوان عنترة 

الحذف في باب المبتدأ والخبر

 

الحذف في باب المبتدأ والخبر

يقول ابن مالك عن الحذف في باب المبتدأ والخبر:

وحذف ما يعلم جائز كما ..... تقول زيد بعد من عندكما

وفي جواب كيف زيد قل دنف ..... فزيد استغنى عنه إذ عرف

يحذف كل من المبتدأ والخبر إذا دلَّ عليه دليل جوازًا أو وجوبًا ، فذكر في هذين البيتين الحذف جوازا،

- مواضع حذف الخبر جوازًا:

فمثال حذف الخبر أن يقال (من عندكما) فتقول (زيد) التقدير (زيد عندنا)، ومثله في رأي (خرجت فإذا السبع) التقدير: فإذا السبع حاضر. قال الشاعر:

نحن بما عندنا وأنت بما ..... عندك راض والرأي مختلف

التقدير نحن بما عندنا راضون، ومثال حذف المبتدأ أن يقال (كيف زيد ؟) فتقول (صحيح)؛ أي: هو صحيح . وإن شئت صرحت بكل واحد منهما فقلت (زيد عندنا ، وهو صحيح) ، ومثله قوله تعالى (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها)؛ أي: من عمل صالحا فعمله لنفسه ، ومن أساء فإساءته عليها.

قيل وقد يحذف الجزآن أعني المبتدأ والخبر للدلالة عليهما؛ كقوله تعالى (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن)؛ أي : فعدتهن ثلاثة أشهر. فحذف المبتدأ والخبر وهو (فعدتهن ثلاثة أشهر)؛ لدلالة ما قبله عليه، وإنَّما حذفا لوقوعهما موقع مفرد، والظاهر أن المحذوف مفرد والتقدير (واللائي لم يحضن كذلك) ، وقوله (واللائي لم يحضن) معطوف على (واللائي يئسن)، والأولى أن يمثل بنحو قولك (نعم) في جواب (أزيد قائم؟) إذ التقدير (نعم زيد قائم)

وبعد لولا غالبًا حذف الخبر ..... حتم وفي نص يمين ذا استقر

وبعد واو عينت مفهوم مع ..... كمثل كل صانع وما صنع

وقبل حال لا يكون خبرا ..... عن الذي خبره قد أضمرا

كضربي العبد مسيئا وأتم ..... تبييني الحق منوطا بالحكم

 

- مواضع حذف الخبر وجوبًا:

حاصل ما في هذه الأبيات أن الخبر يجب حذفه في أربعة مواضع :

ـ الأول: أن يكون خبرا لمبتدأ بعد لولا نحو (لولا زيد لأتيتك) التقدير: لولا زيد موجود لأتيتك ، واحترز بقوله (غالبًا) عمَّا ورد ذكره فيه شذوذًا كقوله:

لولا أبوك ولولا قبله عمر ..... ألقت إليك معد بالمقاليد

فعمر مبتدأ وقبله خبر . وهذا الذي ذكره المصنف في هذا الكتاب من أن الحذف بعد (لولا) واجب إلا قليلا هو طريقة لبعض النحويين.

- والطريقة الثانية أن الحذف واجب دائمًا، وأن ما ورد من ذلك بغير حذف في الظاهر مؤول.

- والطريقة الثالثة أن الخبر إما أن يكون كونًا مُطلقًا أو كونًا مُقيدًا، فإن كان كونًا مُطلقًا وجب حذفه نحو: (لولا زيد لكان كذا)؛ أي: لولا زيد موجود.

وإن كان كونًا مُقيدًا فإمَّا أن يدل عليه دليلٌ أو لا، فإن لم يدل عليه دليل وجب ذكره نحو: (لولا زيدٌ محسنٌ إليَّ ما أتيتُ).

وإن دل عليه دليل جاز إثباته وحذفه نحو أن يقال هل زيد محسن إليك فتقول (لولا زيد لهلكت)؛أي : لولا زيد محسن إلي فإن شئت حذفت الخبر، وإن شئت أثبته، ومنه قول أبي العلاء المعري:

يذيب الرعب منه كل عضب ..... فلولا الغمد يمسكه لسالا

وقد اختار المصنف هذه الطريقة في غير هذا الكتاب.

ـ الموضع الثاني: أن يكون المبتدأ نصا في اليمين نحو (لعمرك لأفعلن) التقدير (لعمرك قسمي)، فعمرك مبتدأ، وقسمي خبره، ولا يجوز التصريح به قيل، ومثله (يمين الله لأفعلن)، التقدير (يمين الله قسمي)، وهذا لا يتعين أن يكون المحذوف فيه خبرا لجواز كونه مبتدأ، والتقدير (قسمي يمين الله) بخلاف (لعمرك)، فإن المحذوف معه يتعيَّن أن يكون خبرًا؛ لأن لام الابتداء قد دخلت عليه وحقها الدخول على المبتدأ، فإن لم يكن المبتدأ نصا في اليمين لم يجب حذف الخبر نحو (عهد الله لأفعلن) التقدير (عهد الله عليَّ)، فعهد الله مبتدأ وعلي خبره، ولك إثباته وحذفه.

ـ الموضع الثالث: أن يقع بعد المبتدأ واو هي نص في المعية نحو( كل رجل وضيعته) فكل مبتدأ وقوله وضيعته معطوف على كل والخبر محذوف، والتقدير (كل رجل وضيعته مقترنان) ، ويقدر الخبر بعد واو المعية، وقيل لا يحتاج إلى تقدير الخبر لأن معنى (كل رجل وضيعته؛ كل رجل مع ضيعته)، وهذا كلامٌ تامٌّ لا يحتاج إلى تقدير خبر .

واختار هذا المذهب ابن عصفور في شرح الإيضاح، فإن لم تكن الواو نصًّا في المعية لم يحذف الخبر وجوبًا نحو (زيد وعمرو قائمان).

ـ الموضع الرابع : أن يكون المبتدأ مصدرًا وبعده حال سدَّت مسد الخبر، وهي لا تصلح أن تكون خبرًا، فيحذف الخبر وجوبًا لسد الحال مسده، وذلك نحو( ضربي العبد مُسيئًا)، فضربي مبتدأ، والعبد معمول له، ومُسيئا حال سدت مسد الخبر والخبر محذوف وجوبا ، والتقدير (ضربي العبد إذا كان مسيئًا) إذا أردت الاستقبال وإن أردت المضي، فالتقدير (ضربي العبد إذ كان مُسيئًا)، فمُسيئًا حال من الضمير المستتر في كان المفسر بالعبد، وإذا كان أو إذ كان ظرف زمان نائب عن الخبر .

ونبَّه المُصنِّفُ بقوله (وقبل حال) على أن الخبر المحذوف مقدر قبل الحال التي سدت مسد الخبر كما تقدم تقريره .

واحترز بقوله (لا يكون خبرًا) عن الحال التي تصلح أن تكون خبرًا عن المبتدأ المذكور، نحو ما حكى الأخفش رحمه الله من قولهم (زيدٌ قائمًا)، فزيد مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير (ثبت قائمًا).

وهذه الحال تصلح أن تكون خبرًا، فتقول (زيدٌ قائمٌ) فلا يكون الخبر واجبُ الحذف بخلاف (ضربي العبد مسيئًا)، فإن الحال فيه لا تصلح أن تكون خبرًا عن المبتدأ الذي قبلها، فلا تقول (ضربي العبد مسيء)؛ لأن الضرب لا يوصف بأنه مسيء، والمضاف إلى هذا المصدر حكمه كحكم المصدر نحو (أتم تبييني الحق منوطا بالحكم)، فأتم مبتدأ، وتبييني مضاف إليه، والحق مفعول لتبييني، ومنوطًا حال سدت مسد خبر (أتم)، والتقدير: (أتم تبييني الحق إذا كان أو إذ كان منوطًا بالحكم).

 

 

 

الفاعل


 

الفاعل:

 

- "تعريفه وأحكامه":

يقول ابن مالك:

الفاعل الذي كمرفوعي "أتى ... زيد" "منيرًا وجهه" "نعم الفتى"

الفاعل فهو: الاسم المسند إليه فعل على طريقة فعل أو شبهه، وحكمه الرفع.

أو هو الاسم "الذي" أسند إليه فعل تام أصلي الصيغة أو مؤول به "كمرفوعي" الفعل والصفة من قولك: "أتى زيدٌ منيرًا وجهه نعم الفتى" فكل من "زيد" و"الفتى" فاعل؛ لأنه أسند إليه فعل "تام" أصلي الصيغة، إلا أن الأول متصرف والثاني جامد، و"وجهه" فاعل؛ لأنه أسند إليه مؤول بالفعل المذكور وهو "منيرًا".

والمراد بالاسم ما يشمل الصريح نحو: قام زيدٌ، والمؤول بالصريح، نحو {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا}، أي: أو لم يكفهم إنزالنا، ونحو: يعجبني أن تقوم؛ أي: قيامك. والتقييد بالفعل يخرج المبتدأ، وبالتام، نحو: اسم "كان"، وبأصلي الصيغة النائب عن الفاعل، وذكر "أو مؤول به" لإدخال الفاعل المسند إليه صفة، كما مثل، أو مصدر، أو اسم فاعل، أو ظرف، أو شبهه.

وخرج بالمسند إليه فعل ما أسند إليه غيره نحو زيد أخوك أو جملة نحو زيد قام أبوه أو زيد قام أو ما هو في قوة الجملة نحو زيد قائم غلامه أو زيد قائم أي هو.

وخرج بقولنا على طريقة فعل ما أسند إليه فعل على طريقة فعل وهو النائب عن الفاعل نحو: ضُرِبَ زيدٌ.

تنبيه: للفاعل أحكام أعطى الناظم منها بالتمثيل البعض، وسيذكر الباقي:

- الحكم الأول: الرفع، وقد يجر لفظه بإضافة المصدر، نحو: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ} أو اسمه، نحو: "من قبلة الرجل امرأته الوضوءُ"، أو بـ"من" أو الباء.

والمبيح لذلك كله اعتمادهم على انفهام المعنى، وهم لا يجعلون ذلك قياسا، ولا يطردونه في كلامهم.

وقد يجر لفظ الفاعل بإضافة المصدر، نحو قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس) أو بإضافة اسم المصدر، نحو قوله عليه الصلاة والسلام: " من قبلة الرجل امرأته الوضوء ".

وقد يجر الفاعل بالباء الزائدة. وذلك واجب في أفعل الذي على صورة فعل الأمر في باب التعجب، نحو قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر) ونحو قول الشاعر:

أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ...ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

وهو كثير غالب في فاعل " كفى " نحو قوله تعالى: (كفى بالله شهيدا) ومن القليل في فاعل كفى تجرده من الباء، كما في قول سحيم الرياحي:

عميرة ودع إن تجهزت غازيًا ....كفى الشيبُ والإسلام للمرء ناهيا

فقد جاء بفاعل " كفى " وهو قوله " الشيب " غير مجرور بالباء.

ويشذ جر الفاعل بالباء فيما عدا أفعل في التعجب وفاعل كفى، وذلك نحو قول الشاعر:

ألم يأتيك والأنباء تنمى... بما لاقت لبون بني زياد

فالباء في " بما " زائدة، وما: موصول اسمي فاعل يأتي، في بعض تخريجات هذا البيت.

وقد يجر الفاعل بمن الزائدة إذا كان نكرة بعد نفي أو شبهه، نحو قوله تعالى: (ما جاءنا من بشير) والفاعل حينئذ مرفوع بضمة مقدرة على الراجح، فاحفظ ذلك كله.

 

والمراد بشبه الفعل المذكور:

- اسم الفاعل نحو: أقائمٌ الزيدان.

- والصفة المشبهة نحو: زيدٌ حسنٌ وجهُهُ.

- والمصدر نحو: عجبتُ من ضربِ زيدٍ عمرًا.

- واسم الفعل نحو: هيهات العقيقُ.

- والظرف والجار والمجرور نحو: زيد عندك أبوه أو في الدار غلاماه.

- وأفعل التفضيل نحو: مررت بالأفضل أبوه، فأبوه مرفوع بالأفضل وإلى ما ذكر أشار المصنف بقوله (كمرفوعي أتى...) الخ.

والمراد بالمرفوعين ما كان مرفوعا بالفعل أو بما يشبه الفعل كما تقدم ذكره، ومثل للمرفوع بالفعل بمثالين:

أحدهما: ما رفع بفعل متصرف نحو: أتى زيدٌ.

والثاني: ما رفع بفعل غير متصرف نحو، نعم الفتى.

ومثل للمرفوع بشبه الفعل بقوله (منيرًا وجهُهُ) .

بين النحوي والفقيه

 

بين النحوي والفقيه

يروي الزبيدي (ت 379 هـ) مُناظرةً بين الكسائي (ت 189 هـ) وأبي يوسف الفقيه الحنفي ( ت 182هـ)، قال: دخل أبو يوسف على الرشيد ـ والكسائي يُـمازحه ـ فقال له أبو يوسف: هذا الكوفيُّ قد استفرغك وغلب عليك، فقال: يا أبا يوسف إنَّه ليأتيني بأشياءَ يشتملُ عليها قلبي، فأقبل الكسائي على أبي يوسف فقال: يا أبا يوسف هل لك في مسألةٍ ؟ قال: نحو أمْ فقه ؟ قال: بل فقه ، فضحك الرشيد حتى فحص برجله ، ثم قال : تلقي على أبي يوسف فقهاً ! قال: نعم ، قال: يا أبا يوسف ، ما تقول في رجل قال لامرأته : أنتِ طالقُ إِنْ دخلتِ الدَّارَ ؟ قال : إِنْ دخلتْ الدَّارَ طُلِّقَتْ . قال: أخطأتَ يا أبا يوسف، فضحك الرشيدُ، ثم قال: كيف الصَّوابُ ؟ قال: إذا قال " أن " فقد وجب الفعل، وإِنْ قال " إن " فلم يجبْ ولم يقعْ الطلاق. قال: فكان أبو يوسف بعدها لا يدعُ أن يأتي الكسائي(1).

 

وذكر ابن هشام (ت761هـ) ما يُـماثلُ هذا الذي يُنسبُ للكسائي، حيث يدير المسائل الفقهية على الأصول النحوية، ذلك أنَّ الرشيد كتب ليلة إلى القاضي أبي يوسف يسأله عن قوله:

فَإِنْ تَرْفَقِي يَا هِنْدُ فَالرفقُ أيمنُ وَإِنْ تَخْرُقِي يَا هِنْدُ فَالخَرقُ أَشْأَمُ

فَأَنْتِ طَالقٌ والطَّلاقُ عَزِيْمَــةٌ ثَلاثٌ، وَمَنْ يَخْرقْ، أَعقّ وأظلمُ

فقال : ما يلزمه إذا رفع الثلاث ونصبها ؟! قال أبو يوسف: فقلت: هذه مسألة نحوية فقهية ، ولا آمن الخطأ إن قلت فيها برأيي ، فأتيت الكسائي وهو في فراشه ، فقال : إِنْ رفع " ثلاث " طلقت واحدة ، لأنَّه قال: "أنت طالقُ" ثم أخبر أنَّ الطَّلاقَ التَّامَّ ثلاثٌ، وإِنْ نصبها طلقت ثلاثاً، لأنَّ معناها أنت طالق ثلاثاً، وما بينهما جملة معترضة، فكتبت بذلك إلى الرشيد، فأرسل بجوائز، فوجهت بِـها إلى الكسائي"(2).

 

ففي هذه الحادثة انكشف التفاعل الحقيقي بين النحو والفقه، وتقاسما الدور في حلِّ القضايا الشَّائكة التي تعترضُ الناس عامَّةً، فالقاضي أبو يوسف لجلالته في الفقه يعلمنا أن قضاياه بحاجة إلى علم النحو لفك ألغازها وإشكالاتها.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحواشي:

(1) ينظر: طبقات النحويين واللُّغويين، للزبيدي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ط 2(ص 127).

(2) ينظر : مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، لابن هشام الأنصاري ، تحقيق : د.مازن المبارك ومحمد علي حمد الله ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة السادسة ، 1985م، (1/76، 77).